حين أصبحت الصحة سوقًا، هل خذلتنا منظومة الغذاء والدواء؟

 

لم تعد الأزمة الصحية التي يعيشها العالم اليوم مجرد مسألة أمراض متفرقة أو اختلالات فردية في نمط العيش؛ بل أصبحت مؤشرًا على خلل أعمق في العلاقة بين الإنسان والغذاء والطب والاقتصاد. فحين ترتفع نسب السمنة والسكري وأمراض القلب والسرطان والاضطرابات المناعية بوتيرة غير مسبوقة، يصبح من المشروع أن نسأل: هل فشلنا في حماية الإنسان، أم أن الإنسان أصبح ضحية منظومة اقتصادية تقتات على مرضه؟
على امتداد عقود طويلة، تراجع الحديث عن الغذاء باعتباره خط الدفاع الأول عن صحة الإنسان، لصالح نموذج طبي يركّز بصورة أساسية على التدخل بعد وقوع المرض. فبدل أن تتصدر أسئلة مثل: ما الذي نأكله؟ كيف أُنتج؟ وما أثره التراكمي على أجسامنا؟، أصبح الاهتمام الأكبر موجّهًا نحو: أي دواء سيُستخدم؟ وأي علاج سيوصف؟
ولعلّ السؤال الأكثر إزعاجًا هو: هل كان هذا التحول نتيجة تطور طبيعي للعلم فقط، أم أن المصالح الاقتصادية لعبت دورًا في توجيه البوصلة؟
لقد توسعت الصناعات الغذائية بوتيرة مذهلة، وأغرقت الأسواق بمنتجات فائقة التصنيع، مليئة بالسكر المضاف، والدهون المعدّلة، والمواد الحافظة، والنكهات الصناعية، ومكونات تُصمَّم أحيانًا لجذب المستهلك أكثر من خدمته صحيًا. وفي المقابل، ظهرت موجات متصاعدة من الأمراض المزمنة المرتبطة بالغذاء ونمط الحياة.
لكن المفارقة المؤلمة تكمن في أن البحوث المتعلقة بالأثر البعيد لبعض الأنماط الغذائية لم تحظَ دائمًا بالاهتمام أو الاستقلالية الكافية مقارنة بالاستثمار الهائل في تطوير المنتجات العلاجية. وهنا يبرز سؤال حساس لكنه مشروع: إلى أي مدى أثرت المصالح التجارية في صياغة الأولويات البحثية؟
إن تاريخ البحث العلمي ليس خاليًا من الأخطاء؛ فبعض الدراسات كانت محدودة، وبعضها تأثر بالمنهجية الضعيفة، وأخرى وُجهت أسئلتها بطريقة تخدم نتائج معينة، سواء عن قصد أو عن غير قصد. وفي بعض الحالات التاريخية، وُجِّهت انتقادات لتأثير جهات صناعية على الخطاب العلمي أو على طريقة عرض المخاطر الصحية لبعض المنتجات.
غير أن المشكلة الأخطر لا تكمن فقط في الخطأ العلمي، بل في تأخر الاعتراف به. فعندما يستمر تسويق منتجات غذائية واسعة الانتشار لعقود قبل اكتشاف آثارها السلبية، يكون الإنسان قد دفع الثمن من صحته، وتكون الأنظمة الصحية قد تحولت من حماية الإنسان إلى إدارة تداعيات أخطاء كان يمكن الحد منها مبكرًا.
لقد أصبح من المشروع أخلاقيًا أن نتساءل:
هل تُستثمر الأموال في منع المرض بنفس القوة التي تُستثمر بها في علاجه؟
وهل أصبحت صحة الإنسان أحيانًا رهينة اقتصاد يربح من الاستهلاك المفرط، ثم يربح مرة أخرى من علاج نتائجه؟
إن نقد هذه المنظومة لا يعني رفض الطب الحديث، الذي أنقذ ملايين الأرواح، ولا التقليل من أهمية الدواء عند الحاجة. لكنه دعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات: أن يعود الغذاء الصحي إلى موقعه الطبيعي باعتباره خط الوقاية الأول، وأن تُفصل البحوث الصحية قدر الإمكان عن تضارب المصالح التجارية، وأن يُنظر إلى الإنسان بوصفه غاية لا سوقًا.
فالمجتمع الذي يربح من مرض أفراده أكثر مما يربح من صحتهم، يحتاج إلى مراجعة عميقة، ليس فقط في سياساته الصحية، بل في فلسفته الأخلاقية أيضًا.

أحمدو سيدي محمد الكصري 

مهتم بالصحة وبالطب البديل

اثنين, 18/05/2026 - 07:48