
رحل الدكتور ضياء العوضي، لكن الجدل الذي أثاره لم يرحل. فقد ترك وراءه تساؤلا صادماً يرفض كثيرون حتى مجرد طرحه:
هل أصبحت بعض الأمراض المزمنة تجارة أكثر منها قضية شفاء
ليس من السهل على إنسان أنهكه المرض، واستنزفته المواعيد الطبية، وأرهقته الوصفات المتغيرة، أن يتجاهل حقيقة مؤلمة: هناك أمراض تُدار أكثر مما تُعالج، ويُتعايش معها أكثر مما يُبحث عن جذورها.
كيف يُعقل أن تتضاعف أعداد المصابين بالسكري، وارتفاع الضغط، وأمراض المناعة، واضطرابات الجهاز الهضمي، والالتهابات المزمنة، رغم التطور الطبي الهائل؟ كيف تتوسع أسواق الدواء عاماً بعد عام،
بينما لا يتراجع عدد المرضى إلا قليلاً؟
إن النظام الذي طرحه ضياء العوضي – سواء اتفقنا معه أم اختلفنا – كان صادماً لأنه ضرب في عمق المسكوت عنه: هل بعض البروتوكولات العلاجية تُبنى أحياناً على إدارة المرض لا القضاء عليه؟
لا أحد ينكر أن الطب الحديث أنقذ بعض البشر، وأن المضادات الحيوية والجراحة والعناية المركزة واللقاحات، ربما أفادت الإنسانية. لكن في المقابل، هل يجوز أن نُغلق أعيننا عن نفوذ شركات الغذاء والدواء؟ وهل من المبالغة التساؤل عن تضارب المصالح عندما تموَّل بعض الأبحاث أو المؤتمرات أو الحملات
الصحية من جهات تحقق أرباحاً مباشرة من استمرار الاستهلاك؟
المشكلة ليست في الطبيب المخلص، فبين الأطباء من يضحّي بعمره وراحته لمحاولة إنقاذ المرضى، لكن باتباع بروتوكولات لم يدرسها ولم يتأكد من مدة فاعليتها فقط قيل له هذا ما يجب أن تفعله. المشكلة حين تتحول بعض الممارسات إلى منظومة تجعل المريض زبوناً دائماً: تحليل بعد تحليل، ودواء بعد دواء، ومراجعة بعد مراجعة، حتى يصبح الشفاء الكامل استثناءً، لا قاعدة.
لقد أيقظ ضياء العوضي فكرة جوهرية: الغذاء ليس تفصيلاً ثانوياً في الصحة. فالإنسان لا يمكن أن يستهلك أغذية فائقة التصنيع، مليئة بالسكر والمواد الكيميائية، ثم ينتظر من الحبوب وحدها أن تعالج ما أفسده أسلوب الحياة.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي قول الحقيقة كاملة: لا ينبغي أن يتحول نقد الدواء إلى رفض مطلق له، ولا أن يتحول الإيمان بالغذاء إلى تجاهل الحالات التي تحتاج علاجاً طبياً مثبت الفعالية.
فالمشكلة ليست في العلم، بل حين يُستخدم العلم أحياناً لخدمة السوق أكثر من خدمة الإنسان.
لقد قتلوا ضياء العوضي، لكن السؤال الذي تركه حيّاً ما زال يطرق أبواب الضمير:
هل نبحث فعلاً عن شفاء الإنسان، أم عن إدارة مرضه بطريقة تضمن استمرار دورة الأرباح؟
كان الله في عون الجميع

