25 مايو .. الهوية الأفريقية وانبعاث الذات الحضارية

 

تمثل أفريقيا في وجدان شعوبها فكرة نابضة، وصرح لهوية حضارية متجذرة في عمق التاريخ البشري ، وقيم أصيلة صاغتها شعوب ترفض الانكسار والتهميش، واليوم، تقف القارة الافريقية على عتبة مرحلة حاسمة من تاريخها المعاصر ، مرحلة تتطلب الانعتاق الكامل من رواسب التبعية، والاعتزاز بالذات الأفريقية، والتطلع بجرأة نحو بناء وحدة سياسية واقتصادية صلبة ، ترتكز بالدرجة الأولى على استقلال القرار الوطني، والكف عن ارتهانه للخارج، بالتوازي مع الاستثمار الأمثل والمستدام للموارد الطبيعية الهائلة والنادرة التي تزخر بها الأرض الأفريقية، وتوجيه عوائدها لصالح رفاهية شعوبها وتنميتها، وهو الطموح الذي تبلور تاريخيا عبر محطات نضالية كبرى شكلت الوجدان الجمعي للقارة.
وفي سياق هذا الطموح القاري المتوارث، يبرز يوم 25 من مايو سنة 1963 كمنعطف تاريخي ، وجذر أساسي في ذاكرة الشعوب الأفريقية وفي تاريخها النضالي. ففي هذا اليوم المجيد، التقت إرادة قادتنا الأفارقة في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لتأسيس منظمة الوحدة الأفريقية ، وشكلت هذه الخطوة وثيقة سياسية وتاريخية متكاملة الأركان أعلنت عن ميلاد فجر أفريقي جديد، وتوجت كفاحا طويلاً ضد الاستعمار والاضطهاد، ومناسبة سنوية للتذكير بأن استقلال أفريقيا ونهضتها لا يمكن أن يكتملا إلا بالتحكم الكامل في مقدراتها الاقتصادية، وان ثرواتها الهائلة ، من نفط، وذهب، وماس، ومعادن نادرة، ومساحات زراعية شاسعة ، يجب تحويلها من مطمع للقوى الخارجية إلى محرك أساسي لنهضة المواطن الأفريقي وسيادته، وهي الرؤية الاستشرافية التي صاغها جيل فريد من الزعماء الأحرار.
إن هذا المسار التحرري هو نتاج تضحيات رجال عظام امتلكوا الرؤية والشجاعة لتحدي القوى الاستعمارية الكبرى، حيث وضعوا اللبنات الأولى للبيت الافريقي الموحد، وفي طليعة هؤلاء القادة العظام ، القائد المعلم جمال عبد الناصر، الذي جعل من مصر عمقاً وسندا استراتيجيا ولوجستيا لحركات التحرر الأفريقية، مؤمنا بأن حرية بلاده تظل منقوصة ما لم تتحرر أفريقيا بأسرها، وإلى جانبه، يقف الأستاذ المختار ولد داداه، باني موريتانيا الحديثة، الذي قاد موريتانيا بحكمة لتكون جسرا ثقافيا وحضاريا يربط بين العالم العربي وأفريقيا جنوب الصحراء، ومدافعا جسورا في المحافل الدولية عن القضايا الأفريقية العادلة، وتكتمل لوحة الشرف التاريخية بقائمة الرؤساء المؤسسين الذين صاغوا بدمائهم وأفكارهم حلم الوحدة، ومن أبرزهم: كوامي نكروما (غانا) حامل لواء ، الجامعة الأفريقية والداعي الأبرز للوحدة الفورية، وأحمد شيخو توري (غينيا كوناكري ) الذي سطر التاريخ بكلمة #لا ، الشهيرة للاستعمار، وجوليوس نيريري (تنزانيا) معلم القارة وصاحب فلسفة الاعتماد على الذات، وهايلي سيلاسي (إثيوبيا) الذي احتضنت عاصمته ميلاد المنظمة، وموديبو كيتا (مالي) المناضل الصلب من أجل استقلال القرار، وباتريس لومومبا (الكونغو) شهيد الدفاع المستميت عن الثروات الوطنية في وجه الأطماع الدولية ، وهي الجهود التأسيسية التي مهدت الطريق لظهور فكر وحدوي أكثر عمقا واندماجية في العقود التالية.
وامتدادا لهذا الإرث النضالي العريق، برز الدور المحوري والتاريخي للقائد الأممي معمر القذافي (رحمه الله)، والذي تميزت رؤيته بالجرأة والاندفاع المخلص نحو تحويل الحلم الأفريقي إلى وحدة اندماجية شاملة على الصعد السياسية، الاقتصادية، والثقافية. فلم يقتصر دوره رحمه الله على التنظير، بل ضخ دماء جديدة في العروق الأفريقية عبر استثمارات ضخمة شملت البنية التحتية، والمشاريع الزراعية، والمصارف القارية، فضلا عن قطاع الاتصالات حيث تبنى إطلاق أول قمر صناعي أفريقي (قاف) لإنهاء التبعية التكنولوجية للغرب، وقد تجسد هذا الدور التاريخي في قمة سرت التاريخية بالجماهيرية العظمى 9 سبتمبر 1999 حيث أسفرت عن وضع حجر الأساس لتأسيس الاتحاد الأفريقي بديلا لمنظمة الوحدة الأفريقية، ليكون قادرا على مواكبة العصر وتحقيق وحدة وتضامن أكبر بين البلدان الأفريقية وشعوبها، تتجاوز الحدود المصطنعة التي خلفها الاستعمار، والدفاع عن السيادة والوحدة الإقليمية والاستقلال السياسي لكافة الدول الأعضاء كخط أحمر لا يمكن التنازل عنه، إلى جانب تعجيل التكامل السياسي والاقتصادي والاجتماعي للقارة، وصولاً إلى سوق أفريقية مشتركة وعملة موحدة تنهي الهيمنة المالية الخارجية، مع تعزيز السلام والأمن والاستقرار داخل القارة، باعتبار الاستقرار والفض المشرف للنزاعات الشرط الأساسي لأي تنمية مستدامة، وتطوير مواقف أفريقية موحدة بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك في المحافل الدولية، لضمان ندية القرار السياسي الأفريقي in مواجهة التكتلات العالمية.
وتأكيداً على حيوية هذا المسار واستمراريته في مواجهة التحديات المعاصرة، تبرز مجدداً الدبلوماسية الموريتانية كرافعة أساسية للعمل الأفريقي المشترك؛ حيث شكلت رئاسة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني للاتحاد الأفريقي محطة استثنائية وظّفت فيها نواكشوط ثقلها السياسي لخدمة القارة وشعوبها. وتحت قيادته الحصيفة، حققت أفريقيا جملة من المكاسب الاستراتيجية الهامة، جاء في طليعتها تعزيز الحضور الوازن والندي للقارة في المحافل الدولية كشريك فاعل في رسم السياسات العالمية، والاندفاع القوي نحو تسريع وتيرة تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية لكسر قيود التبعية الاقتصادية. كما تميزت عهدته بتركيز استثنائي على إصلاح المنظومة التعليمية وتطوير مهارات الشباب الأفريقي باعتباره الثروة الحقيقية المتجددة، علاوة على قيادة وساطات دبلوماسية متزنة وناجحة أسهمت في تطويق الأزمات وبناء جسور الحوار، مما عزز الأمن والاستقرار الإقليمي وحمى سيادة الدول الوطنية من التدخلات الخارجية.
إن الهوية الأفريقية، ستظل بقيمها القائمة على التضامن والكرامة والاعتماد على الذات، هي البوصلة التي توجه شعوبنا نحو المستقبل، و التلاحم بين عبقرية التاريخ النضالي الذي يمثله يوم أفريقيا، ورؤى الآباء المؤسسين، والمكاسب المتجددة التي تقودها الرئاسة الموريتانية الحالية، يفرض على الأجيال الحالية طريقاً واحدا لا بديل عنه: #أفريقيا موحدة، قوية، سيدة قرارها السياسي، ومستثمرة لمواردها الاقتصادية. لقد حان الوقت لتأخذ القارة السمراء مكانها الطبيعي تحت الشمس كقائد فاعل ومستقل في الحاضر العالمي.
بقلم : محمد ولد سيداتي

ثلاثاء, 26/05/2026 - 11:00

إعلانات