
يمكن للتكنولوجيا الحديثة أن تجعل الأنظمة القضائية أكثر عدالة، وأقل تكلفة، وأسرع.
اليوم، يعتمد القضاة والمحامون، والأنظمة القضائية ، بشكل متزايد على أدوات قائمة في اكثرها على الذكاء الاصطناعي.
وفي موريتانيا، تتسارع رقمنة العدالة من خلال إنشاء خدمات إلكترونية وتعزيز البنى التحتية قدر الإمكان.
إذ تنفذ وزارة العدل برنامجاً واسعاً للعصرنة،يركز بشكل خاص على السعي إلي رقمنة الإجراءات الإدارية لتسهيل حياة المواطنين اليومية.
السلطة الوطنية لحماية البيانات ذات الطابع الشخصي هي الجهة الرسمية الوطنية المنظمة المكلفة بضمان امتثال معالجات البيانات الشخصية على التراب الموريتاني.
ولكي نستنير أكثر حول هذه الإشكالية المهمة المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي في النظام القضائي، أجرينا مقابلة حصرية مع القاضي الموريتاني الشيخ سيدي محمد شينه.
يتميز بمسار أكاديمي وتجربة مهنية راسخة، وقد شغل منصب رئيس المحكمة المتخصصة بالعبودية و الإتجار باالاشخاص و تهريب المهاجرين.
تركز المقابلة على الرهانات الحاسمة لتحديث القضاء وتأثير الذكاء الاصطناعي في القانون المعاصر.
المقابلة:
س: السيد الرئيس، مساركم الأكاديمي في فرنسا وتجربتكم الطويلة داخل السلك القضائي الموريتاني تجعلان منكم مراقباً مميزاً لتحولات القانون. كيف تنظرون إلى إدخال الذكاء الاصطناعي في المحاكم؟
القاضي الشيخ سيدي محمد شينه: يمثل الذكاء الاصطناعي منعطفاً تاريخياً لا مفر منه. وفي كتاباتي حول تحولات مؤسستنا، دافعت دائماً عن أن العدالة يجب أن تتطور مع عصرها لتبقى قيمة ثابتة ورافعة وضامنة للحقوق للجميع علي حد السواء .يوفر الذكاء الاصطناعي فرصة كبرى لتعزيز فعالية العدالة، و التمكيين الإيجابي من إختزال الوقت في بعض المهام المستهلكة للوقت داخل اروقة القضاء و محاكمه المختلفة ودرجات التقاضي داخلها ، وتسريع معالجة الإجراءات المعقدة. ومع ذلك، فإن موقفي حازم: يجب أن يظل الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة ولا يحل أبداً محل التقدير البشري للقاضي الذي يظل سيد الموقف، و الوحيد الذي يقدر الأمور علي النحو المناسب.
س: لقد ترأستم المحكمة المتخصصة بمحاربة العبودية والاتجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين. في منازعات جنائية حساسة وعميقة تتعلق بحقوق الإنسان من جوانب مختلفة،إلى هذا الحد، هل للذكاء الاصطناعي مكان؟
شينه: بالضبط، هنا يجب أن يكون الخط الفاصل الأخلاقي أكثر صرامة. محاكمنا المتخصصة في منظومتنا القضائية تعالج انتهاكات حقوق الإنسان كلا من زاوية حسب طبيعة الدعوي المطروحة .يمكن للخوارزمية أن تساعد في رسم خرائط تدفقات الاتجار، وإعداد المهاجرين و حركتهم و المساحات التي تتواجد فيها جيوب الفقر علي عموم التراب الوطني وجمع الاجتهاد القضائي، أو تلخيص آلاف الصفحات من البيانات الواقعية. لكن تقييم المعاناة الإنسانية، وتقدير المسؤولية الجنائية و الإحساس بالذنب وتقدير الظروف ، والسعي إلى الإنصاف يتطلب التعاطف والاستقلالية والضمير الأخلاقي. هذه سمات إنسانية حصرية،كما تعلمون، لا يمكن لأي آلة، مهما بلغت كفاءتها أن تحققها إذ تظل خاصة بالتقدير المهني للقاضي و بشكل للقاضي المتخصص.
س: لطالما دافعتم عن وحدة الاجتهاد القضائي ومواءمة السياسة الجنائية. هل يمكن للأدوات القائمة على الذكاء الاصطناعي أن تساعد في مواءمة القرارات القضائية؟
شينه: بالتأكيد. أحد التحديات الكبرى لأنظمتنا القضائية الحديثة هو غياب الانسجام في تطبيق القانون من غرفة إلى أخرى. تتيح تقنيات العدالة التنبؤية
أو تحليل النصوص المتقدمة: تحديد الفوارق الاجتهادية فوراً ومنح القضاة رؤية أوضح. يمكن أن يشكل ذلك رافعة للمساواة
أمام القانون.
حيث أن تقنيات العدالة التنبؤية تقوم علي توظيف الذكاء الاصطناعي وخوارزميات التعلم الآلي لتحليل السجلات القضائية والبيانات الإحصائية؛ بهدف التنبؤ باحتمال وقوع الجرائم (الشرطة التنبؤية)، أو ترجيح مسار ونتائج الدعاوى القضائية، وتقييم احتمالية عودة المتهمين .
لكن علينا أن احذر من فخ "الامتثال الخوارزمي": وعليه يجب على القاضي أن يحتفظ بحريته في تطبيق و تفسير القاعدة القانونية و تحديد حدودها في كل قضية أو نازلة منشورة أمامه.
س: بصفتكم الأمين الدائم لمؤسسة الشيخ سيدي المختار الكنتي العلمية منذ 2018، تحملون رؤية حداثية لمنطقة الصحراء الكبرى. هل تعتقدون أن إفريقيا جنوب الصحراء مستعدة للانتقال الرقمي للقانون؟
شينه: ليس لدينا خيار آخر سوى أن نكون مستعدين. إذ تواجه منطقتنا حالة عدم استقرار مزمنة تضعف حفظ تراثنا المكتوب وإتاحة تطور القانون في هذا الصدد . وعليه فإن تحديث الجهاز القضائي بالرقمنة والذكاء الاصطناعي المحلي، المتكيف مع واقعنا الاجتماعي والقانوني، أمر ضروري. ولإنجاح هذا الرهان، يجب أن نستثمر بكثافة في تكوين القضاة والمحامين وكتاب الضبط حتى يتقنوا الرهانات المهنية و الأخلاقية والتقنية لهذه التكنولوجيات التي اصبحت ضرورية في حياتنا اليومية في مختلف مناحيها.
س: ما الإطار القانوني الذي توصون به لتجنب انحرافات الذكاء الاصطناعي في الفضاء القضائي الموريتاني والإقليمي؟
شينه: نحتاج إلى بناء قانون للذكاء الاصطناعي متين، يقوم على شفافية قواعد الشفرة البرمجية،
وعدم التمييز، والحماية المطلقة للبيانات الشخصية. كما يجب إعادة التفكير في استقلال القضاء و مهنيته أكثر. حيث لا يمكننا أن نعتمد بشكل أعمى على خوارزميات صممتها شركات تكنولوجية خاصة أجنبية دون إشراف عام. سيادة دولنا تلعب أيضاً في قدرتنا على تنظيم الرقمنة لحماية المتقاضين لدينا من مختلف المخاطر المحدقة.
اجري المقابلة
باكاري واگي
https://fr.madar.mr/actualites/la-justice-a-lere-du-numerique-et-de-lia-...

