
يحكى أن رجلاً تاه في الصحراء يبحث عن الماء، وبعد عناء طويل لمح خيمة وبجانبها سياج صغير تتجمع داخله صهاريج الماء. ومن شدة العطش اتجه مباشرة نحوها أملاً في أن يشرب.
لمحه صاحب الخيمة من بعيد، وكان يملك مجموعة من الكلاب للحراسة، فبدأ يناديه قائلاً: "وشْ حَالَكْ
وشْ طَارِي ؟ " وفي الوقت نفسه كان يطلق كلمة "
وشْ " المعروفة في البادية لتحريض الكلاب على الهجوم.
أما الرجل العطشان فظن أن الأمر مجرد ترحيب وسؤال عن الأحوال، فواصل التقدم نحو الماء. لكن الكلاب انطلقت في مطاردته، فاضطر إلى الهرب والعودة أدراجه، ليجد نفسه أكثر تعباً وعطشاً مما كان عليه، بعد أن انشغل بالفرار من الكلاب بدل أن يرتوي من الماء الذي جاء يبحث عنه.
ولعل ما يحدث في كثير من نقاشاتنا العامة يشبه هذه القصة؛ فبين ما يُقال وما يُفهم، وبين القرارات المعلنة والنتائج المحققة على أرض الواقع، تغيب أحياناً القضايا الحقيقية وراء الضجيج والجدل.
وقد تذكرت هذه القصة وأنا أتابع الجدل الدائر حول تدوينة الوزير الأول المتعلقة بالتحول من دعم المحروقات إلى الدعم الاجتماعي المباشر.
فالموضوع في جوهره اقتصادي واجتماعي، وتوجد تجارب دولية ناجحة في هذا المجال، لعل أبرزها التجربة البرازيلية من خلال برنامج "بولسا فاميليا"، الذي اعتمد على تحويلات نقدية مباشرة للأسر الفقيرة مرتبطة بالتعليم والصحة. وقد ساهم في الحد من الفقر وتحسين المؤشرات الاجتماعية، لكن نجاحه ارتبط أيضاً بوجود قاعدة بيانات دقيقة ومؤسسات قادرة على المتابعة والتنفيذ، إلى جانب التعليم والصحة والإدماج الاقتصادي.
ومن هنا فإن أي انتقال من دعم المحروقات إلى الدعم الاجتماعي يحتاج إلى رؤية شاملة تربط المساعدة الاجتماعية بالتشغيل والتكوين والتمويل الصغير وخلق الفرص الاقتصادية، حتى يتحول المستفيد تدريجياً من متلقٍ للدعم إلى فاعل في الدورة الاقتصادية.
غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن دائماً في الفكرة نفسها، بل في قدرة الدولة على تنفيذها وتحويلها إلى سياسة عمومية ناجحة.
أولاً: التنسيق الحكومي
تعاني الإدارة، في تقديري، من ضعف التنسيق بين عدد من القطاعات الحكومية. وقد لمست ذلك شخصياً من خلال استراتيجية تتعلق بقطاع النقل تمت إحالتها من الوزارة الأولى إلى الجهات المعنية، حيث أمضيت قرابة سنة بين المكاتب والإدارات دون نتيجة تذكر، ما جعلني أقتنع بأن المشكلة ليست دائماً في الأفكار، بل في التنفيذ والمتابعة.
ومن باب الإنصاف، لا أريد الحديث مطولاً عن الاستراتيجيات التي قدمتها، ومن بينها موضوع التنسيق الحكومي نفسه. وقد سلمت بعض المقترحات إلى سكرتيريا الوزير الأول لإحالتها إلى الجهات المعنية.
وما أسجله بموضوعية أن الوزير الأول الحالي كان، في حدود تجربتي الشخصية، أول وزير أول ألاحظ تفاعلاً مع ما قدمته من مقترحات منذ عهد الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع، مع أنني لم ألتقِ به شخصياً ولم أتحدث معه مباشرة، وإنما استند هذا الانطباع إلى ما لمسته من تفاعل عبر القنوات الإدارية.
غير أن التفاعل مع الأفكار يظل خطوة أولى، بينما يبقى التحدي الحقيقي في تحويلها إلى برامج قابلة للتنفيذ. كما أن تعثر بعض الملفات بين الإدارات وضعف التعاون بين القطاعات ينعكس سلباً على فعالية العمل الحكومي.
ثانياً: احترام المعايير داخل القطاعات الحكومية
فالدولة لا تستطيع مطالبة القطاع الخاص باحترام القوانين والمعايير إذا لم تقدم هي نفسها النموذج أولاً.
ففي قطاع الطاقة ما زالت جوانب من السلامة والرقابة بحاجة إلى مزيد من التطوير، وفي قطاع المياه تظل جودة المياه ومطابقة بعض الشبكات والتجهيزات للمعايير الفنية محل اهتمام، أما في النقل والصحة فما تزال تحديات البنية التحتية والخدمات والتجهيزات مطروحة للنقاش.
وباختصار، عندما لا تكون الوزارة نموذجاً في تطبيق القوانين والمعايير داخل القطاع الذي تشرف عليه، يصبح من الصعب عليها فرض احترامها على الآخرين. فالقدوة المؤسسية تسبق الرقابة، واحترام القانون يبدأ من الجهة المكلفة بتطبيقه.
البعد السياسي
أما سياسياً، فإن موريتانيا تعيش السنوات الأخيرة من المأمورية الثانية لرئيس الجمهورية، ومن الطبيعي أن تبدأ النخب السياسية في التفكير في المستقبل.
غير أن الانشغال المبكر بخلافة الرئيس لا ينبغي أن يطغى على تقييم حصيلة المرحلة الحالية واستكمال الإصلاحات والمشاريع القائمة. فالأولوية يجب أن تكون لتعزيز أداء المؤسسات وإنجاح ما تبقى من هذه المأمورية.
قد نختلف حول دعم المحروقات أو الدعم الاجتماعي، وقد نختلف حول السياسات والأولويات، لكن المشكلة الأعمق ليست في نقص الأفكار أو غياب الموارد، بل في قدرة الإدارة على تحويل القرارات إلى أفعال والبرامج إلى نتائج ملموسة.
فكم من فكرة جيدة تعثرت في طريق التنفيذ، وكم من مشروع واعد ضاع بين المكاتب والإجراءات وضعف المتابعة.
ولعل الخشية اليوم ليست من قلة الأفكار أو كثرة النقاشات، بل من أن نجد أنفسنا، مثل ذلك الرجل في الصحراء، أكثر إرهاقاً وعطشاً بعد سنوات من الجدل، بينما ما زال الماء بعيداً، وما زلنا نركض في الاتجاه نفسه...
وشْ طَارِي؟
بقلم محمد الأمين لحويج

