
ليست أزمة شمال مالي(أزواد) وليدة اللحظة بل هي أزمة ولدت مع دولة مالي الحديثة ونمت معها،فلئن أخمدت في بداية تأسيس الدولة المالية في ستينات القرن العشرين بقوة السلاح،فما إن جاءت تسعينات نفس القرن حتى اشتعلت الشمال من جديد مطالبة حركاته بالاستقلال، وفي كل مرة يوقع الاطراف إتفاقية سلام بعد دورة من العنف ينقضون ليبدأ دورة عنف جديدة حتى يوم الناس هذا.فما اسباب الأزمة في مالي؟ وهل يمكن حلها؟ وما تأثيرها على موريتانيا؟
كان أول نظام حكم مالي بعد استقلالها في سبتمبر ١٩٦٠،نظام علماني.وهو من الناحية الاقتصادية نظام تدخلي أو اشتراكي،وقد اتخذ النظام الجديد سلسلة من الإجراءات كانت كلها في غير مصلحة شعب أزواد .
ففي الجانب الثقافي شرع في محاربة اللغة العربية فلم يقبل تدريسها في المدارس النظامية،و ضايق المدارس الأهلية من كتاتيب و محاظر.
وفي الجانب الاقتصادي ضايق الناس في أرزاقهم،فكان يرسل أطر الحزب مع بعض الموظفين لحشر حيواناتهم و إحصائها.واتخذ إجراءات أخرى زادت من معاناتهم منها إخضاع الحيوانات التي يريد بيعها للدول المجاورة لأذونات خاصة تحدد عددها ونوعها،بل شمل تلك الأذونات بعض الولايات في الداخل المالي نفسه.
وكلها اسباب كانت كفيلة باشتعال ألأزمة في شمال مالي(أزواد),وهكذا سجلت سنة ١٩٦٣ بداية احتجاجات سلمية في شمال مالي،واجهتها السلطات بالقمع والاعتقالات ولم تجد شفاعة شيوخ و وجهاء العشائر في تحرير المعتقلين.
فزاد الوضع اشتعالا إذ تبنى اغلب شيوخ ووجها عشائر أزواد الثورة على النظام في باماكو من أجل الحصول وضع سياسي و إداري أكثر استقلالية للأقليم عن المركز.
فسيطروا على اغلب الإقليم و طردوا منه الحاميات الحكومية.لكن الحكومة عبأت موارد الدولة و عزل الجيش الجنوب عن الشمال ليقوم بعملياته العسكرية،مستخدما أنواعا التنكيل والتعذيب بالسكان المحليين لإسكات ثورتهم،وهو ما نجح فيه للإختلال الكبير في موازين القوة.
ورغم أن نظام موديب كيتا قد سقط ١٩٦٨ بعد نجاح انقلاب موسى اتراوري فإن الوضع في شمال مالي (أزواد )ظل على حاله واكتفى النظام الجديد بتغيير النظام من نظام إشتراكي إلى نظام ليبرالي.
وجاءت سنوات الجفاف التي ضربت دول الساحل والصحراء،فكانت شديدة على أزواد وأهله إذ لم يجدوا من يعينهم أو يرشدهم في ظرف خطير قضى فيه الجفاف على اغلب ما لديهم من مواش،فهلك الكثير منهم نتيجة الجوع والمرض، وهاجر كثيرون إلى الجزائر وإلى ليبيا عبر النيجر والجزائر و قلة هاجرت إلى موريتانيا.
وقد تميزت سنوات الثمانينات بهدوء نسبي في الاقليم،إلا أن ذلك سينتهي مع بداية التسعينات من القرن الماضي،إذ ستظهر حركة تحرير أزواد من جديد مطالبة باستقلال الإقليم.وتنتصر على الجيش المالي في معارك عديدة،و في كل مرة يتوصل فيها الطرفان إلى اتفاق بعد تدخل قوى إقليمية ودولية يلغيه أحدهما خاصة الحكومة المالية. ومن امثلة تلك الاتفاقيات:اتفاقية تنمراست سنة ١٩٩١ التي نصت على تمتع الإقليم باستقلال داخلي.ولكنها انهارت وتجدد الاشتباكات وفي ١٩٩٦وقعت الحكومة و الثوار على اتفاقية باماكو للسلام والتي نصت على دمج عناصر الثوار في الجيش المالي.وعلى إنشاء مجالس محلية.
وقد شهدت تلك الفترة تمردا للجنود الطوارق على الجيش المالي سنة ٢٠٠٦ المنتمين للإقليم الذي كان يعج منذ التسعينات بالتنظيمات الإسلامية المتطرفة وشبكات الجريمة المنظمة(التهريب،بيع المخدرات...) إلا أن الحدث الأبرز كان في سنة ٢٠١١ إذ عادت جماعات كبيرة من الازواديين إلى الإقليم ومعهم أسلحتهم التي كانت لديهم لما كانوا جزءا من الكتائب الليبية؛ فلما انهار النظام في ليبيا تحت ضربات حلف شمال الأطلسي عاد الأزواديون بأسلحتهم إلى أزواد مطالبين باستقلاله عن مالي.فانشؤا الحركة الوطنية لتحرير أزواد التي تأسست في ذي الحجة من عام ١٤٣٢ الموافق نوفمبر سنة ٢٠١١ واعلنت الحركة بعد سلسلة من المعارك مع الجيش المالي تحرير أزواد وإقامة جمهورية أزواد في ١٤ حماد الاولى الموافق ٦. ابريل ٢٠١٢ لتتفق في الشهر الموالي مع حركة أنصار الدين على تحكيم الشريعة الإسلامية.و كانت مالي تواجه بالإضافة إلى التهديد بانفصال الشمال هجمات في الوسط من حركات إسلامية متطرفة .
ونتيجة لهذا الوضع المتردي طلبت حكومة مالي في شوال ١٤٣٣ الموافق سبتمبر ٢٠١٢ تدخلا دوليا،وقد استجابت فرنسا لهذا الطلب من خلال تنظيم حملة عسكرية اسمتها القط الأسود،ثم لا حقا "برخان "،كما تشكلت قوة أخرى تحت غطاء الأمم المتحدة شاركت فيها العديد من الدول منها الجزائر وموريتانيا.
و رغم كل ذلك فإن الوضع
ظل مشتعلا في شمال مالي(أزواد) ليعرف بعض الهدوء بعد توقيع إتفاقية الجزائر بين حكومة مالي و جبهة تحرير أزواد. إلا أن الهدوء لم يكن شاملا إذ ظلت الحركات الإسلامية المتطرفة تحارب الجيش المالي والقوات المتحالفة معه،ليشهد وسط مالي عمليات انتقام ضد مكون الفلان الذي اتهمت باحتضان حركة ماسينا ذات الطابع الإسلامي التي ينحدر اغلب عناصرها من هذا المكون. وهو ما سيزيد الوضع المالي تعقيدا.
ولكن نظام آصامي كويتا سنة٢٠٢٠ الذي انتقلب على الحكم في مالي سيقلب ظهر المجن لكل القوى الإقليمية والدولية التي عملت مع القوات المالية للقضاء على التمرد فيها.إذ استبدل النظام الجديد القوة الفرنسية و الإقليمية و الدولية بقوات فاغنار (شركة أمن روسية) بالإضافة إلى تحالف إقليمي ضم إلى جانبه كلا من النيجر وبوركينا افاسو،وانسحب من اتفاقية الجزائر وهو ما أدى إلى إغضاب الجزائر. وقد إستاطعت النظام المالي الجديد والقوة المتحالفة معه،إستعادة عدة مدن في شمال مالي( أزواد) بعد معارك طاحنة مع الثوار،ولكن العمليات المتزامنة في شمال مالي (أزواد )ووسطه وحتى على العاصمة باماكوا التي قامت بها جبهة تحرير أزواد المتحالفة مع نصرة الإسلام والمسلمين في ٢٥ إلى ٢٦ ابريل ٢٠٢٦والتي أدت إلى استعادة مدينة كدال ومدن أخرى.والهجوم القوي على العاصمة باما كو الذي قتل فيه وزير دفاعها.وحصار العاصمة المالية باماكو الذي مازال مستمرا من عدة جهات من طرف تنظيم ما سينا ذا الطابع الإسلامي المتطرف والذي تتشكل قيادته أساسا من قومية الفلان المنتشرة في وسط مالي.تطورات قد تحتم كلها على صانع القرار في بامكوا قراءة المشهد من جديد ووضع حلول تلائم الشعب المالي بكل مكوناته وتضع حدا للإقتتال الداخلي.فهل سيتجه إلى السلام أم إلى التصعيد العسكري؟
يتواصل
ذ.محمد ملالي ودادي

