
تمتد الحدود الموريتانية المالية من الشمال إلى الجنوب على طول ٢٢٣٧ كم لتلامس ست ولايات موريتانية، وبذلك تكون مالي الدولة الأكثر اتصالا بموريتانيا من الناحية الجغرافية.
ضف إلى ذلك أن هذا الفضاء الصحراوي ظل عبر العصور فضاء واحدا يتنقل فيه الناس بكل حرية،و يتابدلون فيه القيم المادية والمعنوية والافكار،و يأخذون العلم من مدارسهم (محاظرهم)،ومن مشايخهم،دون أن تكون هناك موانع لهذا التفاعل الحر طيلة تاريخ طويل إلى أن جاء المستعمر.
وقد أفضى هذا التفاعل إلى تداخل إجتماعي كبير إذ نجد قبائل بعضها في موريتانيا وبعضها في مالي وقوميات بعضها في موريتانيا والآخر في مالي (افلان).
ولذلك فإن موريتانيا لامحالة تتأثر بما يجري في مالي سلبا و إيجابا.
وهكذا نجد أنه مع بداية العشرية الأولى من هذا القرن،حيث انتشر الجماعات الاسلامية المتطرفة المسلحة في شمال مالي،فلم تلبث أن استهدفت موريتانيا بعمليات عسكرية،كان أولها في لمغيطي سنة٢٠٠٥ ثم الغلاوية وتورين وغيرها،وكان آخرها في النعمة ٢٠١٠. وفي نفس الفترة تم استهداف اجانب ومصالح أجنبية في موريتانيا من طرف نفس التنظيمات المتطرفة.
ولكن مراجعة السياسة العامة في موريتانيا في نهاية العشرية،قد تكون أسهمت في لجم الحركات المتطرفة،نذكر من تلك المراجعات الموقف من القضية الفلسطينية،إذ تم قطع العلاقات مع العدو الاسرائيلي، وفتح حوار مع سجناء التنظيمات المتطرفة حول شرعية الجهاد٢٠١٠،أدى إلى مراجعة مجموعة من المتطرفين لمواقفهم ليتم دمجهم في الحياة الاجتماعية.
بالإضافة إلى تزويد الجيش الموريتاني بمعدات أكثر تطورا وخاصة وحدات التدخل السريع. -تعزيز المراقبة على الحدود .
ـ تنفيذ عمليات استباقية ضد القواعد العسكرية التنظيمات المتطرفة داخل مالي.
ـ تحسين التعاون الأمني مع دول المنطقة.
ورغم توقف التنظيمات العسكرية المتطرفة عن أي عمل عسكري في موريتانيا منذ سنة ٢٠١١،فلم تكد تنتهي تلك السنة حتى اشتدت ضراوة الحرب في مالي وهو ما دفع بالكثير من الماليين خاصة من سكان أزواد للهجرة إلى موريتانيا التي آوت أغلبهم في مخيم امبره في الحوض الشرقي غير بعيد من الحدود مع مالي(يأوي المخيم الآن مايزيد على ٢٥٠٠٠٠نسمة).وهو ما يزيد العبء الاقتصادي والامني على الدولة.
ألا أن التأثير السلبي سيظهر في جوانب أخرى لم تكن منتظرة.إذ سيتعرض المواطنون الموريتانيون في حالات عديدة لعمليات اغتيال جماعية من طرف الجيش المالي،كانت أولها سنة ٢٠١٢ عندما قتل الجيش المالي مجموعة من الدعاة الموريتانيين(١٦) رجلا كانوا في طريقهم لحضور مؤتمر في باماكو لجماعة الدعوة والتبليغ وهي جماعة دينية مسالمة.ثم حصلت عمليات قتل جماعية أخرى لسبعة موريتانيين سنة ٢٠٢٢ تشير كل الدلائل إلى أنها حصلت من الجيش المالي وقوات فكنر الروسية، وحصلت عمليات قتل أخرى في نفس السنة لخمسة عشر موريتانيا، و كان آخر تلك العمليات مقتل رجلين موريتانيين في مارس من سنة ٢٠٢٦،بالاضافة إلى تحرشات عديدة في نفس الفترة حصلت من الجيش المالي للمواطنين الموريتانيين الذين تقع قراهم على الحدود الموريتانية المالية.
ويبدو من خلال الإعلام المالي المقرب من الحكومة ومن خلال المضايقات التي تقوم بها الإدارة للمواطنين الموريتانيين،ومن خلال التظاهرة التي قام بها بعض أنصار الحكومة أمام السفارة الموريتانية في بامكوا مهددين بأنه إذا تم إحراق أي شاحنة متجهة إلى مالي من طرف التنظيمات المتطرفة التي تحاصر بامكو فسيتم إحراق محل بالمقابل للجالية الموريتانية في بامكوا. وهو ما يعني أن نظام آصيمي كويتا يرى أن موريتانيا متآمرة مع القوى المتمردة ضد نظامه.رغم أن موريتانيا لم تساهم في الحصار الذي قامت به اغلب الدول ضد النظام الجديد في مالي وظلت الحدود بين البلدين مفتوحة وكانت موريتانيا أهم متنفس لمالي عندما كانت محاصرة.
إن تأثر موريتانيا بما يجري في مالي قائم لامحالة،وهو ما يحتم عليها الكثير من الحذر و الحيطة حتى لا يدخلها أي طرف في نزاع لا علاقة لها به.
بل إن مسؤوليتها السياسية تحتم عليها أن تدعم أي مبادرة تفضي إلى سلام مستدام في مالي،لما في ذلك من حقن لدماء المسلمين،و لأن أمن المنطقة مترابط.فمن أجل استتباب الأمن في موريتانيا يتعين إطفاء النيران التي تقع في دول الجوار.
ومع كل ذلك فإنه يتعين إفهام النظام القائم في بامكوا أنه يتحمل المسؤولية الكاملة عن كل الأضرار المادية و المعنوية التي قد تحصل للجالية الموريتانية في مالي.وأن موريتانيا قادرة على أن تعيد لمالي كل جالياتها دون أن تتعرض لأي أذى من الموريتانيين.
وفي النهاية فإننا نتمنى أن تتغلب الحكمة،و أن يتمكن الإخوة في مالي من حل مشاكلهم،وأن يوجهوا مواردهم لتنمية بلدهم وتقدمه.
ذ.محمد ملالي ودادي

