
يشهد المرفق العام في عصرنا الراهن تحولاً رقمياً متسارعاً فرضته الضرورات التكنولوجية وحتمية الرفع من كفاءة الأداء الإداري. وفي قلب هذا التحول، برزت وسائل التواصل الفوري، وعلى رأسها "المجموعات الواتسابية المهنية"، كأداة تواصلية يومية تلجأ إليها الطواقم الإدارية لتسريع وتيرة العمل وتجاوز العقبات البيروقراطية الكلاسيكية او تاخذ للاسف تنسيقا نقابيا للاسف .
وإذا كان هذا الوسيط الافتراضي قد أثبت فاعلية ملحوظة في تقريب المسافات وتسهيل تدفق المعلومات وعرقلة بالتباطئى في القرارات التي لاترضي النقابيين، فإنه في المقابل يطرح جملة من التحديات القانونية والتنظيمية التي تمس في الصميم سير المرفق العام وجوهر "الوظيفة التأطيرية" المنوطة بالقادة والإداريين؛ وهي تحديات تتضاعف خطورتها وتكتسي حساسية بالغة حينما يتعلق الأمر بـ "قطاع العدل"؛ بوصفه مرفقاً سيادياً حامياً للحريات، والأعراض، والأموال، وأسرار الدولة العليا.
إن التأثير الأول لهذه المجموعات الافتراضية ينعكس مباشرة على سير المرفق العام، الذي يحكمه مبدأ الاستمرارية والانتظام والمساواة والعدل والتجرد في خدمة المرفق العام .
فمن الناحية الإيجابية، نجحت مجموعات الواتساب في كسر رتابة المساطر التقليدية؛ إذ أتاحت للمسؤولين تعميم التوجيهات، والتبليغ عن الحالات الاستعجالية، وتنسيق الجهود بين مختلف المصالح في ثوانٍ معدودة. بيد أن هذا التدفق الحر للمعلومات لا يخلو من مخاطر قانونية جسيمة في البيئة القضائية؛ لعل أبرزها معضلة "السر المهني" وحماية الوثائق الإدارية والمحاضر. ففي قطاع العدل، يُعد المبدأ الأصيل هو سرية التحقيقات والمداولات القضائية والتقاضي علي درجات ، ومن ثم فإن تداول تقارير داخلية، أو محاضر استماع، أو مناقشة منطوق أحكام قبل صدورها عبر فضاء افتراضي يسهل فيه بضغطة زر واحدة تحويل الرسائل خارج الإطار المهني، مهددا بهدم هذه السرية، مما قد يتسبب في فرار متهمين، أو طمس أدلة، أو التأثير على سير العدالة والرأي العام. علاوة على ذلك، فإن الاعتماد المفرط على هذه الوسائل يؤدي إلى تمييع القنوات الرسمية وضياع حجيّتها القانونية التي لا تتأصل إلا عبر المكاتيب المؤرشفة أو البريد المؤسسي المؤمن، مما يفتح الباب لطعون قانونية من المتقاضين بدعوى عدم رسمية التبليغات أو خرق المساطر الإجرائية المرتبطة بآجال الطعن والحراسة النظرية.
ومن زاوية أخرى، يمتد تأثير هذه المجموعات ليطال "الوظيفة التأطيرية" (La Fonction d'Encadrement)، وهي الركيزة الأساسية التي يمارس من خلالها القائد الإداري والقضائي سلطته التقديرية في التوجيه، والرقابة، وضمان الانضباط. وهنا، يبرز التحدي الأكبر في كيفية الحفاظ على "الهيبة الإدارية والوقار القضائي" والتراتبية الصارمة (السلم الإداري) داخل فضاء يميل بطبعه إلى التواصل الأفقي والسيولة. إن فتح باب النقاشات المسترسلة والردود العلنية داخل المجموعات ـ التي كثيراً ما تملؤها تفاعلات سريعة وملصقات تذيب الفوارق البروتوكولية ـ قد يدفع بعض المرؤوسين إلى التجرؤ على القرارات أو مراجعة توجيهات المسؤول أمام الزملاء، مما يضعف سلطة الضبط والربط الإداري. كما أن تداخل الوقت الخاص للموظف مع وقت العمل عبر الرسائل المتأخرة، ونشوء النزاعات الناتجة عن سوء فهم "النبرة النصية"، يضيف عبئاً تأطيرياً جديداً؛ حيث يجد المسؤول القضائي نفسه مضطراً لفض الخصومات الافتراضية بدلاً من التركيز على نجاعة القضاء، ناهيك عن المخاطر السيبرانية المحدقة بالهواتف الشخصية للموظفين والتي لا تتمتع بحماية برمجية معقدة، مما يجعل المعطيات الشخصية للمتقاضين (كسوابقهم العدلية أو نزاعاتهم) عرضة للاختراق والضياع.
وتأسيساً على ما تقدم، يمكن القول إن المجموعات الواتسابية المهنية هي "سلاح ذو حدين"؛ لا يمكن للإدارة الحديثة ـ وبخاصة مرفق العدالة ـ الاستغناء عن مرونته، ولا يمكنها في ذات الوقت ترك الحبل فيه على الغارب. وتكمن الحكمة الإدارية اليوم في "مأسسة" هذا الفضاء الافتراضي وتأطيره من خلال وضع "ميثاق سلوكي استخدامي" (Charte d'utilisation) صارم وواضح، يحظر بشكل مطلق تداول أي وثيقة قضائية أو تفاصيل ملفات رائجة، ويحدد بدقة أن دور المجموعة يقتصر على التنسيق اللوجستي والإعلام الاستعجالي فقط، بينما تظل القرارات والمراسلات الجوهرية حكراً على القنوات الرسمية. إن حماية المرفق العام وصون الوظيفة التأطيرية يتطلبان منا مسايرة العصر تكنولوجياً، مع الالتزام الصارم بروح القانون وقيم الضبط والوقار الإداري الأصيلة فالمرفق العمومي لا يسير بعقلية المنفعة المهنية النقابية بل بالمصلحة العامة للدولة واامواطنين.

