
.
السياسات الميزانية التوسعية التي تُفضّل تمويل الاقتصاد عن طريق مديونية الدولة لها أهداف مختلفة بحسب ما إذا كنا نتحدث عن اقتصاد ليبرالي أو اقتصاد ريعي.
ا) في النظام الليبرالي، يهدف الاقتصاد القائم على عجز الميزانية إلى تجاوز حالة الكساد ومعالجة البطالة من خلال زيادة الإنفاق العمومي الذي يُحدث أثرًا مضاعفًا على قدرة المستهلك الشرائية .
يتعلق الأمر إذن بالنفقات التي يؤدي ارتفاعها إلى تنامى الاستهلاك الذي يعزز بدوره القدرة الشرائية، فتتجدد بذلك دينامية الاستهلاك في حلقة اقتصادية متواصلة ويهدف الاقتصاد بعجز الميزانية أيضًا إلى وضع سياسة ضريبية تنظّم إعادة توزيع الدخل القومي بما يساعد الطبقات الأكثر فقرًا.
إن العلاج الذي توصي به هذه الدول لتجاوز الكساد يتمثل في اللجوء إلى توسع مالي يتميز بإنفاق عمومي ممول بمديونية الدولة لشراء وضمان الصيانة الكبرى للتجهيزات الجماعية (مدارس، مستشفيات، طرق،. إلخ)، مما يؤدي إلى تحسين التشغيل و زيادة فرص العمل.
يجب أن تكون هذه السياسة المالية التوسعية مدعومة بالضرورة من جهة أخرى بتوسع نقدي تُشرف عليه البنوك المركزية التي عليها أن تحرص على أن تكون شروط الاستدانة من البنوك الأولية ميسرة قدر الإمكان لتشجيع الاستثمار الخاص .
وبهذا، تُحل مشكلة الكساد في الاقتصادات الليبرالية عبر الجمع بين زيادة الإنفاق العمومي وتسهيل وصول الفاعلين الاقتصاديين الخصوصيين إلى القروض المصرفية ويتم التخلي عن هذه السياسات المالية بمجرد استعادة النمو، تمامًا كما يتوقف المريض عن استعمال الدواء الموصوف له بعد شفائه.
وتجدر الإشارة إلى أنه في هذه الاقتصادات يُحظر رسميًا على الدولة أن تقترض من البنوك المركزية، ويُفسَّر هذا الحظر بالأثر التضخمي لمثل هذه القروض بسبب ما تحدثه من زيادة للكتلة النقدية المركزية.
ب) في الاقتصادات الريعية، كما هو الحال بالنسبة لغالبية الدول النامية، يتركّز الاهتمام أساسًا على مديونية الدولة، في ظل سياسة نقدية انكماشية تُطبق بالتوازى من قبل البنوك المركزية.
هذه السياسة النقدية التقييدية تتعارض مع جهود إنعاش الاقتصاد، وتؤدي إلى إقصاء القطاع الخاص كشريك مفضل في معالجة الركود وهكذا فإنه في هذه البلدان، يتم الجمع بين ما لا يمكن التوفيق بينه؛ فمن جهة يتم تبني التوسع المالي، ومن جهة أخرى تضع البنوك المركزية سياسة نقدية تقشفية تُلغي آثار هذا التوسع المالي؛ الجمع بين الشيء ونقيضه!
في الاقتصاد الريعي، يمكن للدولة أن تستدين ليس فقط عبر إصدار سندات الدين العام، بل أيضًا من البنوك المركزية، وهو أمر محظور تمامًا في الاقتصادات الليبرالية بسبب نتائجه التضخمية.
وفي الاقتصاد الريعي، لا يكمن الهدف في خلق فرص عمل لزيادة قدرة المواطن الشرائية وبالتالي رفع الاستهلاك، ولا حتى في وضع سياسة ضريبية لصالح الفئات الأكثر حرمانًا.
الهدف المنشود هو تحسين الميزان التجاري؛ وهذا ما يفسر ضعف الاهتمام بالقطاع الخاص، إذ إن الرهان هو تحقيق هامش تجاري من خلال بيع المواد الأولية المستخرجة من باطن الأرض في السوق العالمية للحصول على عملات أجنبية لتغطية عجز الميزان التجاري.
للأسف! هذا الهامش التجاري لا يساهم إطلاقًا في تحسين الميزان التجاري؛ إذ يُعاد تصديره لشراء المواد الغذائية الأساسية قبل أن تسقط الدولة المدينة مرة أخرى في فخ المديونية، وأخيرًا، تُعاد هذه السياسات سنة بعد أخرى دون انقطاع.
وبنفس الطريقة التي بُنيت بها الدول النامية منذ الاستقلال وحتى اليوم عبر الاستدانة، فإنها تظل في بحث دائم ومستمر عن المديونية.

