رقمنة المحرر التوثيقي: نحو هندسة جديدة للأمن القانوني/الأستاذ محمد اسلم دحان

لا يمكن أن يقتصر إصلاح مهنة التوثيق على تحديث تجهيزات مكاتب الموثقين، بل ينبغي أن يكون إصلاحاً تقنياً عميقاً يشمل كامل سلسلة إعداد المحرر الرسمي والتحقق منه وحفظه وتنفيذه.

فقد ظل المواطن، لوقت طويل، مضطراً إلى التنقل بين إدارات متعددة كلما أراد بيع قطعة أرض، أو تثبيت حقه في الملكية، أو الحصول على وثيقة قديمة. وكان يتعين البحث عن ملف ورقي، والرجوع إلى سجلات قديمة في بعض الأحيان، والتحقق من عدم وقوع نقل سابق للملكية أو وجود أي قيد وارد على العقار، ثم انتظار استكمال إجراءات متعاقبة وموزعة بين جهات مختلفة.

إن هذا التنظيم، الموروث من زمن كانت فيه الورقة تمثل الذاكرة القانونية الوحيدة، لم يعد يستجيب لمتطلبات عصرنا في مجال الأمن والسرعة والشفافية.

وتتيح الرقمنة اليوم الشروع في تحول عميق.

فمن خلال منصة «Leegoud»، أصبح بالإمكان التحقق عبر الإنترنت من صحة سند عقاري أو رخصة حيازة. وقد تبدو هذه الإمكانية مجرد إجراء تقني، لكنها تمثل في حقيقتها تقدماً قانونياً بالغ الأهمية؛ إذ تسهّل الكشف عن الوثائق غير النظامية، وتحدّ من مخاطر التزوير، وتمكّن الموثق من ممارسة رقابته استناداً إلى معلومات عقارية يمكن الوصول إليها بسرعة أكبر.

وينبغي لعملية التحديث أن تمضي أبعد من ذلك، بأن تربط، ضمن سلسلة رقمية متكاملة، جميع العمليات الواردة على الملكية العقارية، بما في ذلك إنشاء السند العقاري، ونقل الملكية، وتقييد الحقوق، والتجزئة، والضم، والتفريع، والرهن، والشطب، وإصدار بدل الضائع، وتحيين الوضعية القانونية للعقار.

وتمثل منصة الخدمات الإلكترونية «eServices» التابعة للبنك المركزي الموريتاني، ضمن المنطق نفسه، تقدماً حاسماً. فالتتبع الرقمي للرهون وعمليات رفعها يتيح إحكام الصلة بين المحرر التوثيقي والائتمان المصرفي والضمانات التي تكفل حقوق الدائنين. فلا ينبغي لرهن تم إنشاؤه، أو رفع رهن تم إقراره، أو حجز تم توقيعه، أن يظل معلومة معزولة أو متأخرة التداول؛ بل يجب أن يظهر فوراً وأن يكون قابلاً للتتبع ضمن بيئة مؤمّنة.

وهنا يكمن الرهان الحقيقي للإصلاح التقني: إتاحة التواصل وتبادل المعلومات، مع احترام اختصاصات كل جهة، بين مكاتب التوثيق، والمحافظة العقارية، والمصالح الجبائية، والمؤسسات المصرفية، والهيئات المكلفة بالتعريف بالأشخاص والتحقق من هوياتهم.

ومن شأن هذا الربط البيني أن يمكّن الموثق من التحقق بسرعة أكبر من هوية الأطراف وأهليتهم القانونية، وأصل الملكية، وأوصاف العقار ومشتملاته، ووجود رهن أو حجز، والوفاء بالالتزامات الجبائية، فضلاً عن التقييد النهائي للمحرر.

أما المواطن، فسيستفيد من مسار إجرائي أكثر وضوحاً، إذ سيتمكن من تتبع ملفه، وتجنب التنقلات غير الضرورية، والحصول بسرعة أكبر على ما يثبت أن حقه قد تم تقييده بصورة قانونية سليمة.

ولا تنتقص الرقمنة شيئاً من سلطة الموثق؛ بل توفر له، على العكس من ذلك، الأدوات التقنية اللازمة للاضطلاع بمهمته على الوجه الأكمل. فالآلة تستطيع نقل المعلومة، وإثبات تاريخ الإجراء ووقته إلكترونياً، وحفظ الوثيقة؛ لكنها لا تستطيع تقدير حقيقة الرضا وسلامته، ولا إسداء المشورة إلى الأطراف، ولا منع اختلال التوازن في العقد، ولا تحمل المسؤولية القانونية المترتبة على إضفاء الصفة الرسمية على المحرر.

ولذلك يظل الموثق الضامن البشري للمحرر، فيما تصبح الرقمنة ذاكرته المؤمّنة، وأداة تتبعه، ووسيلة تنفيذه السريع.

كما يجب أن يصون الإصلاح متطلباً أساسياً، هو سيادة البيانات القانونية وسريتها. فالمحررات التوثيقية تتضمن معلومات مالية وعقارية وأسرية واقتصادية بالغة الحساسية. ولذلك يجب أن يواكب تحويلها إلى الصيغة الرقمية اعتماد أرشفة سيادية، وأنظمة ولوج خاضعة لرقابة صارمة، وآليات معززة للتحقق من الهوية، مع ضمان تتبع كل عملية اطلاع، وتوفير وسائل موثوقة لحفظ النسخ الاحتياطية واستعادتها.

وعليه، لا تعني الرقمنة مجرد المسح الضوئي للمحررات القديمة، وإنما تعني إقامة هندسة جديدة للثقة، يكون فيها كل مستند محدد الهوية، وكل تدخل مسجلاً، وكل حق قابلاً للتحقق، وتظل فيها كل مسؤولية محددة بوضوح.

إن المحرر الرسمي، متى تمت رقمنته على الوجه الصحيح، يكون أحسن حفظاً، وأسرع تحققاً، وأشد استعصاءً على التزوير.

وينبغي أن تسعى عملية تحديث مهنة التوثيق إلى تحقيق هدف بسيط، يتمثل في تمكين المواطن من تأمين حقوقه في أرضه ومسكنه ومؤسسته وتمويله، أو حقوق ورثته، من دون أن يعاني من عدم اليقين الناجم عن أرشيف مفقود، أو معلومة مجزأة، أو إجراء يتعذر تتبعه.

وليست الرقمنة نهاية للتوثيق في صورته التقليدية، بل هي التجسيد المعاصر لأعرق رسالاته: حماية الحقوق، والوقاية من النزاعات، وضمان الثقة العامة بصورة مستدامة.

وبصفتي موثقاً أمضيت تسعة عشر عاماً في ممارسة مهنة التوثيق، سبقتها اثنتان وعشرون سنة كرستها لمهنة المحاماة والدفاع عن المتقاضين والمرافعة أمام القضاء، وبوصفي رئيساً سابقاً للهيئة الوطنية للموثقين ورئيساً حالياً للجنة حكمائها، يطيب لي أن أشيد بالجهود التي بذلتها وزارة العقارات وأملاك الدولة والإصلاح العقاري، والمديرية العامة للعقارات وأملاك الدولة، والبنك المركزي الموريتاني، وكافة المسؤولين والمهندسين والفنيين والأعوان الذين أسهموا في هذا الإصلاح.

إن التزامهم بمسار الرقمنة يشكل خطوة كبرى نحو تعزيز الأمن العقاري، وترسيخ موثوقية المحرر الرسمي، وضمان الحماية المستدامة لحقوق المواطنين. وهو عمل يستحق أن يتواصل ويتعمق، وأن تواكبه مهنة التوثيق بكافة مكوناتها، بروح من المسؤولية والتشاور وخدمة الصالح العام.

الأستاذ محمد ولد اسلم ولد دحان

ثلاثاء, 04/08/2026 - 13:44