
في اللحظة التي يُشَدِّدُ فيها البنك المركزي سياسته النقدية لكبح الاستهلاك، بما يكشف بوضوح عن الطابع الدالّ للتضخّم، وفي الوقت الذي تُفيد فيه الوكالة الوطنية للإحصاء والتحليل الديموغرافي بأن أسعار بعض المنتجات المحلية تدفع بالتضخم إلى الارتفاع، يصبح لزامًا علينا أن ندعو إلى أبواب تفكيرية مفتوحة حول هذا النظام* الذي يلتهم الاقتصاد كما يلتهم سعير النار غابةً كثيفة في يومٍ عاصف.
إن التضخم يحرق كل شيء في طريقه؛ التشغيل، الموارد، الصحة، التعليم، ويحول دالَّةٌ توزيع الدخل القومي (fonction de répartition) إلى وسيلةٍ لامتصاص الثروات الوطنية من قبل بيروقراطيةٍ ملتهبة للميزانية العامة، و يُدَمِّرُ النسيج الاجتماعي، كما يُسرّع ويُفاقم انهيار المؤسسات ويُفتّت النسيج الاجتماعي.
إن التضخم ينخر جسد المجتمع، ويُجرّد الإنسان من إنسانيته إذ يُفاقم غريزة البقاء، ويُعيد توزيع الثروة بشكلٍ اعتباطي، كما يشوّه العملة الرسمية التي تفقد دورها كوسيط للتبادل لصالح العملات الأجنبية، بل قد يُعيد الاقتصاد إلى عصر المقايضة باعتبارها وسيلة أكثر استقرارًا للتبادل.
وقد وصفه الاقتصادي البريطاني الشهير جون مينارد كينز J.M.Keynes بأنه «نظام» يعمل على «إفقار الغالبية العظمى» لصالح أقلية تستحوذ على ثروة «لا تُهدّد الأمن العام فحسب، بل تقوّض أيضًا الثقة القائمة على عدالة توزيع الثروات»، مضيفًا أن «التضخم نظام تتحوّل فيه وسائل الثراء إلى ما يشبه لعبة الحظ أو اليانصيب» (العواقب الاقتصادية للسلام، ص. 119).
إن التضخم يتجلّى في ارتفاع تكاليف الغذاء، ومصاريف النقل، وميزانيات التعليم، وتكاليف الرعاية الصحية… إلخ.
يشكّل التضخم مشكلةً بنيويّةً تستدعي مواجهةً مباشرةً عبر أدواتٍ تشريعيّةٍ واقتصاديّةٍ فعّالة، وذلك لمكافحة هذا النظام الذي يُنهِك القدرة الشرائيّة ويُظهِر، من خلال تفاقم البطالة، هدراً للموارد وقصوراً في كيفية توظيف اليد العاملة ضمن النسيج الاقتصادي.
أرثر أوكن، Arthur Oken وهو اقتصاديّ أمريكي بارز شغل منصب مستشارٍ لرئيس الولايات المتحدة " جون كنيدى"، قد بيّن ـ وفقاً للقانون الذي يحمل اسمه ـ أنّ ارتفاع معدّل البطالة يؤدّي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبٍ مثيرة للقلق، إذ إنّ كلّ زيادة بنسبة 1% في معدّل البطالة تُفضي إلى تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2% .
نقل تقريرٌ لصحيفة وول ستريت جورنال Wall Street Journal بتاريخ 13 آب/أغسطس 1985 شهادةَ أحد الموظّفين البوليفيّين إبّان موجة التضخّم التي ضربت بلاده في الثمانينيّات، حيث قال: «لقد أصبحنا قصيري النظر؛ لا نفكّر إلا في يومنا هذا وفي تحويل كلّ بيسو(العملة البوليفية) إلى دولارات ........." وفي السياق نفسه، صرّح آخر قائلاً: «لم نعد ننتج شيئاً، لقد أصبحنا جميعاً مضاربين نقديّين ........." وأضاف التقرير أنّ الناس لم يعودوا يميّزون بين الخير والشرّ، وأنّ المجتمع غدا لا أخلاقيّاً؛ إذ إنّ الموظّفين لا يسلّمون أيّ استمارةٍ إلا مقابل رشاوى، والعمّال ينتقلون من إضرابٍ إلى آخر ويحوّلون أموال شركاتهم لمصالحهم الخاصّة، فيما يقوم المسؤولون بتهريب جزءٍ من الإنتاج إلى الخارج أو بعقد قروضٍ وهميّة................." كلّ ذلك من أجل الحصول على دولارات لأغراضٍ مضاربيّة....... وفي المناجم الحكوميّة، كان العمّال يتقاضون أجورهم عبر إخراج المعادن الأكثر قيمةً بشكلٍ غير قانونيّ وتسليمها لشبكات التهريب، وهكذا أصبحت بوليفيا، رغم أنّها لا تملك مناجم بارزة للقصدير، مُصدّراً له بما يقارب 400 طن سنويّاً".
إنّ مكافحة التضخّم هي المعركة الوحيدة الجديرة بالاهتمام وأبعد من مجرّد سياسات ماليّة أو نقديّة ترقيعيه، فإنّ الأمر يتطلّب تعبئةً وطنيّةً شاملةً لكبح هذا النظام الذي، بحسب الاقتصادي البريطاني الشهير Keynes كينز، "يُنتج إفقاراً عاماً".
"في ظل حكامة عادلة يكون الفقر عارًا؛ وفي ظل حكامة فاسدة يكون الغِناء عارًا كذاك" كونفوشيوس (551-479 ق.م) كتاب الحكم.
*محام.
*عضو سابق فى مجلس الهيئة الوطنية للمحامين.
*يصف كينز Keynes التضخم بالنظام وهو ما يعنى أنه عملية متكاملة ذات طابع مؤسسي.

