الرقمنة في موريتانيا: ثورة هادئة تعيد تشكيل علاقة المواطن بالدولة

نواكشوط -شبكة المراقب الإخبارية 

لم تعد الرقمنة في موريتانيا مجرد حديث عن الحواسيب والشبكات والمنصات الإلكترونية، أو مشروعًا تقنيًا يخص المختصين في المعلوماتية، بل بدأت تتحول إلى مسار لتحديث الدولة وإعادة بناء الإدارة وتغيير طريقة حصول المواطن على الخدمة العمومية.
والسؤال اليوم لم يعد: هل دخلت موريتانيا عصر الرقمنة؟ فقد بدأت الخطوة بالفعل. وإنما السؤال الأهم: إلى أي مدى نجحت؟ وما الذي تغير فعليًا في حياة المواطن؟ وما التحديات التي ما زالت قائمة؟
ولعل أفضل إجابة تكمن في التوقف عند خمسة مشاريع أصبحت نماذج بارزة للتحول الرقمي في البلاد.

«هويتي»: المواطن يدخل الدولة من بوابتها الرقمية

يمثل مشروع «هويتي» أحد أهم أسس التحول الرقمي، فالهوية لم تعد مجرد وثيقة يحملها المواطن، وإنما أصبحت مفتاحًا للولوج الآمن إلى عدد متزايد من الخدمات الإلكترونية.
وتكمن أهمية المشروع في تأسيس مفهوم جديد: مواطن يستطيع إثبات هويته رقميًا والتعامل مع الإدارة دون الحاجة في كل مرة إلى إعادة تقديم الوثائق نفسها.
وهنا تبدأ الرقمنة الحقيقية: عندما تنتقل الدولة من مطالبة المواطن بإثبات هويته في كل إدارة إلى امتلاك منظومة رقمية موثوقة وآمنة.

«خدماتي»: عندما تأتي الإدارة إلى المواطن

إذا كانت «هويتي» مفتاح الدخول إلى العالم الرقمي، فإن منصة «خدماتي» هي الباب الذي يعبر منه المواطن إلى الإدارة الإلكترونية.
فقد انتقلت إليها مجموعة من الخدمات الحكومية التي كانت تتطلب التنقل بين المكاتب والملفات الورقية، وأصبح بإمكان المواطن والمستثمر إنجاز عدد متزايد من الإجراءات عن بعد.
والأهم أن الرقمنة هنا لا تعني مجرد تحويل الاستمارة الورقية إلى شاشة، بل إعادة تصميم المسار الإداري نفسه؛ كما ظهر في رقمنة خدمات إنشاء الشركات والاستفادة من خدمات المستثمرين، ثم توسيع المنصة لتشمل خدمات أخرى، من بينها طلبات رخص البناء في نواكشوط.
والسؤال البسيط الذي يقيس نجاح هذا التحول هو: كم معاملة أصبح المواطن قادرًا على إنجازها دون دخول مبنى الإدارة؟

التعداد الرقمي: عندما تعرف الدولة نفسها

يمثل التعداد العام الخامس للسكان والمساكن RGPH-5 أحد أبرز الأمثلة على توظيف الرقمنة في إدارة الدولة.
فقد أُنجز التعداد رقميًا، باستخدام الأجهزة اللوحية والخرائط الرقمية، بما سمح بجمع البيانات بصورة أكثر تنظيمًا، ومتابعة عمليات الإحصاء ميدانيًا، وتحسين سرعة معالجة المعلومات.
وهنا تتجاوز الرقمنة تقديم الخدمة إلى وظيفة أكثر عمقًا: مساعدة الدولة على معرفة مجتمعها بدقة.
أين يعيش السكان؟ أين تتركز الأسر؟ أين توجد المدارس ومصادر المياه والحاجة إلى الصحة والسكن والطرق؟
فالدولة التي تمتلك بيانات دقيقة تستطيع أن تخطط بصورة أفضل، ولذلك فإن التعداد الرقمي ليس مجرد مشروع إحصائي، بل بنية أساسية للتخطيط والقرار العمومي.

الضرائب إلكترونيًا: الرقمنة تصل إلى قلب المالية العامة
يظهر الاختبار الحقيقي للرقمنة عندما تدخل إلى المجالات المرتبطة بالمال والموارد العامة، ومن أبرز الأمثلة نظام التصريح والدفع الضريبي الإلكتروني STT.
فقد أصبح بإمكان المكلفين إنجاز جانب مهم من التصريح والوفاء بالالتزامات الجبائية إلكترونيًا، بدل الاعتماد الكامل على الحضور الشخصي والوثائق الورقية.
ولا تقتصر أهمية المشروع على توفير الوقت والجهد، بل تمتد إلى تحسين التتبع، ودقة البيانات، والشفافية والتحصيل، وتقليص التعامل المباشر ومساحات التدخل البشري.
وبذلك تصبح الرقمنة أداة من أدوات إصلاح المالية العامة، وليس مجرد وسيلة لتسريع الإجراءات.

السجل الاجتماعي: عندما تصبح البيانات وسيلة للعدالة الاجتماعية
في مجال الحماية الاجتماعية، تكتسب الرقمنة بعدًا أكثر ارتباطًا بحياة المواطنين.
فـالسجل الاجتماعي يوفر قاعدة بيانات تساعد الدولة على تحديد الأسر والفئات المستهدفة ببرامج الدعم والحماية الاجتماعية.
وهنا تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة لتحقيق هدف مباشر: أن يصل الدعم إلى من يحتاجه فعلًا.
فكلما امتلكت الدولة بيانات أفضل عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية للأسر، أصبحت قدرتها أكبر على تحديد المستفيدين، وتقييم البرامج، ومتابعة نتائجها.
وبذلك تنتقل السياسة الاجتماعية تدريجيًا من المعلومات المتفرقة إلى الاستهداف المبني على البيانات.

قد يبدو الأمر بسيطًا، لكنه يعكس تحولًا مهمًا: فبدل البحث عن الموظف أو الملف أو المكتب، أصبح بإمكان المواطن الحصول على المعلومة من النظام الرقمي مباشرة.
وهذه هي الرقمنة التي يشعر بها المواطن فعلًا: خدمة أسرع، ومعلومة أوضح، وإجراءات أقل، ومساحة أضيق للغموض.
أي أننا أمام ملامح دولة جديدة تتشكل تدريجيًا: دولة تملك بيانات أكثر دقة، وتقدم خدمات أسرع، وتستطيع متابعة أدائها وتقييم نتائج سياساتها.

لكن الرقمنة لم تنتصر بعد

رغم هذه الخطوات، فإن الطريق نحو دولة رقمية متكاملة لا يزال طويلًا.
فموريتانيا تواجه تحديات تتعلق بالفجوة الرقمية بين المدن والمناطق الداخلية، وتفاوت القدرة على الوصول إلى الإنترنت والأجهزة الذكية، والحاجة إلى تكوين المواطنين والموظفين، فضلًا عن الأمن السيبراني وحماية البيانات.
كما يبرز تحدي ربط الأنظمة الحكومية ببعضها. فليس الهدف أن تمتلك كل وزارة منصة مستقلة، وإنما أن تستطيع المنصات تبادل البيانات بصورة آمنة.
وإلا فإن الخطر هو أن ننتقل من البيروقراطية الورقية إلى بيروقراطية إلكترونية تحتفظ بالتعقيد نفسه.

من رقمنة الإجراءات إلى إعادة اختراع الإدارة

المرحلة المقبلة ينبغي أن تتجاوز إطلاق المنصات إلى إلغاء الإجراءات غير الضرورية، وربط قواعد البيانات، وتبادل المعلومات بين الإدارات، وتطوير الدفع الإلكتروني، وتعزيز الأمن السيبراني، وتكوين الكفاءات الوطنية القادرة على قيادة الاقتصاد الرقمي.
عموما يمكن القول ، بأن ما يجري في موريتانيا يمكن أن يُقرأ باعتباره ثورة هادئة؛ قد لا تُرى في الشوارع، لكنها بدأت تغير، خطوة بعد أخرى، الطريقة التي يتعامل بها المواطن مع دولته.

د محمد الأمين شريف أحمد.

أربعاء, 12/08/2026 - 19:23