الحياة أغرب مما نظن… وما يبقى منا ليس ما نملك بل ما نترك

 

الحياة أغرب مما نظن، وأقصر مما نتخيل، وأعمق من أن تُقاس بما نملك أو بما نُظهر للناس.
نأتي إليها بلا شيء، ثم نقضي أعمارنا نركض خلف المال، والمناصب، والمظاهر، والشهرة، وكأننا سنحملها معنا إلى الأبد. نبني، ونجمع، ونتنافس، ونغضب، ونخاصم، ونحزن على أشياء كثيرة، ثم نكتشف في النهاية أن العمر كان يمضي بصمت، وأن ما ظنناه ملكًا لنا لم يكن إلا أمانة مؤقتة.
نفرح بما كسبنا، ونحزن على ما فقدنا، وننسى أن العمر نفسه هو الشيء الذي لا يمكن استرجاعه.
قد نخسر مالًا ونعوضه، وقد نفقد منصبًا ونصل إلى غيره، وقد تسقط أمامنا فرص فنجد غيرها؛ لكن الوقت إذا مضى لا يعود، والعمر إذا انقضى لا يُستأنف.
ولهذا فإن أعظم خسارة ليست أن تخسر شيئًا من الدنيا، وإنما أن تخسر جزءًا من عمرك في شيء لا يستحق، أو أن تستيقظ متأخرًا فتكتشف أنك كنت مشغولًا بإثبات نفسك للناس، بينما نسيت أن تبني نفسك من الداخل.
قال الله تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ  * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾
فالإنسان في خسارة مستمرة ما لم يحسن استثمار عمره في الإيمان والعمل الصالح والحق والصبر.
لسنا هنا إلى الأبد
من أكثر الحقائق التي نتجاهلها أننا نعيش وكأن الرحيل بعيد، مع أن الموت لا يستأذن أحدًا، ولا يفرق بين غني وفقير، ولا بين صاحب منصب وعامل، ولا بين مشهور ومجهول.
سنغادر جميعًا كما جئنا.
لن نأخذ معنا أرصدتنا البنكية، ولا سياراتنا، ولا مكاتبنا، ولا ألقابنا، ولا عدد متابعينا، ولا مقدار إعجاب الناس بنا.
سيبقى شيء واحد أكثر أهمية من كل ذلك:
الأثر.
سيبقى ما زرعناه في قلوب الناس، وما قدمناه من خير، وما تركناه من علم، وما صنعناه من معروف، وما أصلحناه من فساد، وما أسعدناه من إنسان.
قال رسول الله ﷺ:
«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
وهنا تتغير معايير النجاح.
ليس أعظم إنسان هو من جمع أكثر، ولا من وصل إلى أعلى منصب، ولا من امتلك أكبر قدر من الشهرة؛ وإنما أعظم الناس أثرًا هو من استطاع أن يجعل وجوده في هذه الحياة سببًا في وجود خير بعده.
لا تجعل انتصاراتك أرقامًا في حسابك
كم من إنسان جعل حياته كلها سباقًا نحو الأرقام:
كم جمع من المال؟
كم منصبًا وصل إليه؟
كم مشروعًا امتلك؟
كم شخصًا يعرفه؟
كم مرة انتصر في خصومة؟
ثم مضى العمر، واكتشف أن بعض تلك الانتصارات لم تكن سوى أرقام كبيرة في حساب صغير اسمه الدنيا.
ليس الخطأ أن تطمح، ولا أن تبحث عن النجاح، ولا أن تسعى إلى المال والمكانة. الخطأ أن تتحول الوسائل إلى غايات، وأن يصبح الإنسان عبدًا لما كان يفترض أن يكون وسيلة لخدمته.
اجعل المال في يدك، لا في قلبك.
واجعل المنصب وسيلة للعطاء، لا وسيلة للتعالي.
واجعل النجاح مسؤولية، لا سببًا للغرور.
فكل ما تملكه اليوم يمكن أن يصبح غدًا ذكرى.
اجعل لروحك نصيبًا من الحياة
وسط مشاغل الدنيا، لا تنسَ نفسك.
أعطِ أهلك وقتًا.
اجلس مع والديك ما استطعت.
اقترب من أبنائك.
اسأل عن أصدقائك.
سامح من تستطيع مسامحته.
اعتذر عندما تخطئ.
ساعد من يحتاج إليك.
خفف عن إنسانٍ همّه.
ابتسم في وجه من يمر بيوم صعب.
ولا تحتقر عملًا صغيرًا؛ فقد يكون أثره عند الله أعظم مما تتصور.
واجعل لربك طاعة لا يعلم بها أحد، ولروحك وقتًا بعيدًا عن صخب الدنيا، ولضميرك مساحة لا يستطيع المال ولا المنصب أن يشتريها.
فالحياة ليست فقط ما ننجزه لأنفسنا، وإنما أيضًا ما نفعله من أجل الآخرين.
في النهاية… ماذا سيبقى؟
سيأتي يوم نغادر فيه جميعًا.
سيُطوى الاسم من بعض الملفات، وتُغلق المكاتب، وتتغير المناصب، وتتوزع الممتلكات، وينشغل الناس بحياتهم.
لكن قد يبقى منك شيء جميل في قلب إنسان.
قد يتذكرك شخص لأنك وقفت معه عندما تخلى عنه الجميع.
وقد يذكرك آخر لأنك علمته شيئًا غيّر حياته.
وقد يدعو لك ابن صالح لأنك أحسنت تربيته.
وقد ينتفع بك طالب علم لأنك تركت له معرفة.
وقد يستمر مشروع خير لأنك أسسته.
وقد تبقى كلمة طيبة قلتها في لحظة عابرة، لكنها صنعت فرقًا لا تعرفه أنت.
هذا هو الانتصار الحقيقي.
لذلك لا تجعل كل انتصاراتك أرقامًا في حساب، ولا تجعل قيمتك مرتبطة بلقب أو منصب أو شهرة.
ابنِ الإنسان الذي سيبقى منك بعد غيابك.
ازرع خيرًا حيثما مررت، واترك أثرًا طيبًا في كل مكان، ولا تكن ممن مروا في الحياة دون أن يشعر بهم أحد.
فما تكسبه بيدك قد يزول يومًا…
أما ما تكسبه لقلبك، ولآخرتك، وللناس، فهو الباقي.
وفي نهاية الطريق، لن يكون السؤال: كم امتلكت؟
بل سيكون السؤال الأعمق:
ماذا فعلت بما أُعطيت؟ ومن أصبح أفضل لأنك مررت في حياته؟
فالحياة فعلًا أغرب مما نظن…
نأتي إليها بلا شيء، ونغادرها بلا شيء، وبين المجيء والرحيل توجد فرصة واحدة فقط: أن نصنع أثرًا يستحق أن يبقى.

أحمدو سيدي محمد الكصري 
خبير وطني في التوجيه المهني وهندسة التكوين

أحد, 16/08/2026 - 21:24