تمويلات البنك الدولي لموريتانيا قبل 2019 وبعدها: جدوى الاقتراض وسبل رفع كفاءته

تُقاس جدوى التمويل الخارجي بما يحسّنه في حياة المواطن وقدرة الاقتصاد، ومسؤولية الاقتراض بما يتركه للأجيال من منافع والتزامات. وتقتضي مقارنة تمويلات البنك الدولي لموريتانيا قبل 2019 وبعدها الجمع بين حجم الموارد وطبيعتها، وجودة التنفيذ واستمرار النتائج، مع إدراك اتصال المرحلتين: فقد يُعتمد المشروع في إحداهما، ويُنفذ وتظهر منافعه في الأخرى.

تعرض منصة البنك الدولي المالية، حتى 31 أغسطس 2026، التزامات مرتبطة بموريتانيا بنحو 3.265 مليارات دولار و112 مشروعًا ضمن بيانات البنك الدولي للإنشاء والتعمير والمؤسسة الدولية للتنمية. ولا يمثل المبلغ القروض وحدها، ويستبعد الصناديق الاستئمانية وتمويلات مؤسسة التمويل الدولية والضمانات المعنية، ولا يقدم الملخص تقسيمًا موحدًا بين المرحلتين. 
أما 1.367 مليار دولار للفترة من أكتوبر 2019 إلى بداية أكتوبر 2026، فهو حصر جزئي للتمويلات المعتمدة: 1,103.8 ملايين من عمليات المحفظة، بعد استبعاد 20 مليونًا لمشروع معتمد في 2018، مضافًا إليها 263.2 مليونًا تشمل: 23 للصحة، و40.2 للاستجابة الصحية لكوفيد-19، و70 للدعم الاقتصادي الطارئ، و30 لكل من عمليتي الإصلاح في 2021 و2022، و30 لإصلاحات 2025، و40 للتعليم في 2026. وهو تجميع لا يسوّي أثر الإلغاءات وتغير الصرف، ولا يقيس الدين الفعلي أو المبالغ المسحوبة.
وتستقيم قراءة الأرقام بخمسة تمييزات:
• المنحة والقرض: الأولى لا تستوجب سداد أصلها، والثاني ينشئ خدمة دين.
• الاعتماد والصرف: قد لا يُسحب التمويل كاملًا، وقد يمتد صرفه سنوات.
• المشروع والتمويل الإضافي: قد يوسع الإضافي مشروعًا قائمًا، ويجب تجنب احتسابه مرتين.
• التمويل والمخرج والأثر: بناء المدرسة مخرج، وتحسن التعلم نتيجة تحتاج إلى قياس.
• الوطني والإقليمي: تُحتسب حصة موريتانيا، لا كلفة البرنامج الإقليمي كاملة.
وبذلك، لا تثبت البيانات المجمعة أن قروض ما بعد 2019 تجاوزت جميع القروض السابقة؛ فالحسم يحتاج إلى سجل موحد يفصل القروض والمنح والالتزامات والسحوبات والإلغاءات، ويعتمد 31 ديسمبر 2018 نهايةً للمرحلة الأولى، و1 يناير 2019–30 سبتمبر 2026 فترةً ثانية. وهذا يختلف عن الحصر البادئ في أكتوبر 2019، إذ يشمل عملية المنافسة والمهارات المعتمدة في يوليو 2019 بقيمة 50 مليون دولار. 
ولمقارنة عقود بسنوات محدودة، تُعرض المجاميع والمتوسطات السنوية مع مراعاة التضخم والسكان وحجم الاقتصاد، ويُفصل مجموع الاقتراض عن رصيد الدين بعد السداد والإعفاءات؛ فزيادة التمويل بالدولار الجاري لا تثبت وحدها زيادة الموارد الحقيقية أو تحسن الأداء.
وتوضح تمويلات 2020 أهمية ذلك: 133 مليون دولار منحًا موزعة على المدن 66 مليونًا، والمياه والصرف الصحي 44 مليونًا، وتمويل إضافي للصحة 23 مليونًا، فضلًا عن منحة 70 مليونًا للاستجابة الاقتصادية للجائحة. وإدراجها ضمن القروض يضخم المديونية. 
وفي كشف نوفمبر 2025، بلغت التزامات المشاريع الوطنية 583.8 مليون دولار والإقليمية 540 مليونًا، وشملت 91 مليونًا للمدن، و44 للمياه والصرف الصحي، و71 لشبكات الأمان، و55 لتشغيل الشباب، و50 للزراعة، و52.3 للصحة، و129 لممر نقل الكهرباء، و82.5 للطاقة والمعادن، و60 للتكامل الرقمي. وهذه تمويلات لا حصيلة إنجاز، وتضم المشروع الساحلي المعتمد سنة 2018 بقيمة 20 مليونًا، فلا تخص مرحلة واحدة. 
وتبرز الاستفادة من تمويلات المرحلتين في أربعة جوانب:
• بنية أساسية ممتدة المنفعة: موّلت المؤسسة الدولية للتنمية برنامج الاتصالات الإقليمي بقرض 30 مليون دولار قبل 2019، وظهرت نتائج مهمة لاحقًا. وبحسب تقرير البنك الدولي سنة 2022، أُنجز نحو 1,700 كيلومتر من الألياف البصرية، وارتفعت التجمعات المتصلة بالنطاق العريض من 144 إلى 221، وانخفض مؤشر السعر الشهري لخدمة الجملة بسرعة ميغابتين في الثانية من 7,000 إلى 54.7 دولارًا؛ وهو سعر جملة لا اشتراك الأسرة. وتثبت التجربة تكامل التمويل السابق والتنفيذ اللاحق. 
• استمرار مؤسسي يوسع التغطية: انطلق مشروع دعم شبكات الأمان سنة 2015، ثم توسعت البرامج. ويشير عرض البنك الدولي في سبتمبر 2024، ضمن المقارنة الواردة فيه، إلى ارتفاع الأسر المستفيدة من 47 ألفًا سنة 2020 إلى أكثر من 100 ألف، مع توسعة إضافية في نواكشوط. كما درّب مشروع تشغيل الشباب المنطلق سنة 2021 أكثر من 12 ألف شاب وشابة، تمثل النساء 70% منهم. وهذه نتائج تغطية وتدريب، تستلزم قياس أثرها المستدام في الفقر والعمل والدخل. 
• خدمات وحماية تدعمان الإنتاج: تحسين المياه والكهرباء والاتصال يخفض كلفة النشاط، والصحة والتعليم يعززان رأس المال البشري، والتحويلات الاجتماعية تساعد على تجنب بيع الأصول المنتجة وانقطاع الأطفال عن الدراسة أثناء الأزمات. لكنها منافع متوقعة تحتاج إلى إثبات، ولا يضمنها عنوان المشروع.
• إصلاح مؤسسي متفاوت النتائج: صنفت مجموعة التقييم المستقلة عمليات المنافسة والمهارات المعتمدة في 2019 و2021 و2022 بأنها «مرضية بدرجة متوسطة»، مع تفاوت المكونات وضعف جانب التعليم والتكوين وقصور بعض مؤشرات النتائج؛ ما يستدعي تحسين التصميم والقياس، دون تعميم الحكم على المحفظة. 
ويُقاس الأثر بانتظام المياه والكهرباء وجودتهما وكلفتهما؛ وبالتعلم والاستمرار في الدراسة وتقليص الفوارق؛ وبعمل الشباب ودخلهم بعد 12 و24 شهرًا واستمرار مشروعاتهم؛ وبالأمن الغذائي والاستهلاك وصون الأصول ودقة الاستهداف؛ وباستخدام الخدمات الرقمية وأثرها في المنشآت.
ولا تعزل المقارنة قبل المشروع وبعده أثره عن تغير الأسعار والأمطار ونمو القطاعات الأخرى. لذلك تُستخدم، حيث تسمح البيانات، مجموعة مماثلة لم تستفد بعد، أو يُستفاد من التنفيذ المرحلي، وإلا عُرضت التغيرات المرصودة مع حدود نسبتها إلى التمويل.
كذلك لا يثبت بطء السحب الفشل؛ فقد تفسره حداثة المشروع، وتأخر الدراسات والمشتريات، وصعوبات التنفيذ أو طبيعة التمويل، كما لا تثبت سرعة الصرف الجودة. والتقييم يجمع الجدول الأصلي والإنجاز المادي وكلفة الوحدة وجودة الخدمة، مع تفسير فروق الصرف.
ويصنف تحليل البنك الدولي وصندوق النقد المنشور في 2026 مخاطر التعثر الخارجي والإجمالي بأنها متوسطة، مع بعض المجال لاستيعاب الصدمات. وهو حكم على الدين العام ضمن افتراضات، لا شهادة جدوى لكل قرض؛ لذلك تُتابع خدمة الدين نسبةً للإيرادات والصادرات، ومخاطر العملة والضمانات والتزامات المؤسسات العمومية، وتُختبر القدرة على السداد عند تراجع الإيرادات الاستخراجية أو ارتفاع كلفة الواردات. 
وتوفر عملية كفاءة الإنفاق العمومي المعتمدة سنة 2025 بقيمة 50 مليون دولار فرصة للتحسين، بتخصيص 42 مليونًا للتمويل المرتبط بالنتائج و8 ملايين للتمويل الاستثماري، ودعم ميزانية البرامج والمشتريات الإلكترونية. ونجاحها رهين بتحقق مستقل ومؤشرات للجودة والإنصاف تمنع تفضيل الإنجازات الأسهل على خدمة المناطق الأشد احتياجًا. 
ولرفع كفاءة الاقتراض، تُترجم دروس المرحلتين إلى إجراءات عملية:
1. قبل التعاقد: تقييم مستقل للجدوى والبدائل والكلفة طوال عمر المشروع، وضمان جاهزية الدراسات والعقار والمشتريات والتشغيل والصيانة. ويُبرر الاقتراض للصحة والتعليم بالعائد الاجتماعي وقدرة الموازنة، ولو غاب الإيراد التجاري المباشر.
2. عند اختيار التمويل: تقديم المنح المتاحة، ومقارنة كلفة القروض وعملاتها وآجالها وفترات سماحها، وإدراجها في استراتيجية الدين واختبارات السداد.
3. خلال ثلاثة أشهر: مطابقة الاتفاقيات وسجلات الدين والمشاريع، وفصل القروض والمنح والمعتمد والمسحوب، وإزالة الازدواج.
4. خلال ستة أشهر: نشر مقارنة موحدة للمرحلتين ولوحة فصلية تربط الاتفاقيات بالصفقات والمدفوعات والإنجاز والنتائج وأسباب التأخر.
5. خلال السنة الأولى: تقييم عينة من المشاريع الكبرى، واعتماد خطط تصحيح، وبرمجة التشغيل والصيانة، وربط مسؤولية فرق التنفيذ بأداء موثق.
6. باستمرار: الجمع بين رقابة الإجراءات وتدقيق الأداء وكلفة الأشغال والتحقق من المستفيدين، وتقييم الاستشارات والتكوين بما ينقلانه من معرفة وقدرة للإدارة.
وهذه آجال مقترحة للإصلاح، لا برنامج قائم. وغايتها أن تثمر خبرة المرحلتين **مشروعًا أجدى، وتنفيذًا أكفأ، وخدمة تدوم، وقدرة على السداد عززها الاستثمار نفسه.**

د محمد الأمين شريف أحمد

جمعة, 02/10/2026 - 07:19

إعلانات