محامي:خروج ركائز النظام.. نهاية مرحلة أم تمهيد لإعادة ترتيب قواعد اللعبة السياسية؟

الخير فيما اختار الله
قرأتُ جملةً من المقالات والتدوينات المتداولة على هذا الفضاء، والتي تناولت خروج ثلاثة من ركائز النظام الحاكم، وهم: حنن، ومحمد أحمد، ومولاي.
وبعيدًا عن تقييم ما كُتب في الموضوع، فإنني أرى أن معظم القراءات التي تناولته لم تتجاوز ظاهر الأحداث، ولم تمنح المسألة ما تستحقه من عمق في التحليل واستشراف للمآلات، وكأن السياسة مجرد مواقف معلنة وتغييرات في المواقع، لا لعبة معقدة تتداخل فيها الحسابات، وتتعدد فيها الأهداف، وتُدار فيها المعارك أحيانًا خلف الستار.
إن قراءة المشهد السياسي لا ينبغي أن تقتصر على ما يظهر للعيان، بل تستوجب التعمق في خلفيات القرارات، واستحضار طبيعة تفكير صُنّاع القرار، ومحاولة فهم ما وراء التحركات الظاهرة، دون السقوط في فخ الجزم بالنوايا أو التعامل مع الفرضيات باعتبارها حقائق ثابتة.
وانطلاقًا من ذلك، أرى أن خروج هذه الشخصيات يمكن قراءته من خلال ثلاثة احتمالات رئيسية:
أولًا: إسقاط مؤامرة أو إحباط مخطط سياسي.
قد يكون ما حدث جزءًا من عملية استباقية استهدفت إفشال مخطط ما، أو احتواء تحركات لم تعد منسجمة مع حسابات السلطة، بما يسمح بإعادة ترتيب الأوراق وإعادة ضبط موازين القوى داخل النظام.
ثانيًا: التغطية على الإخفاقات وإلهاء الرأي العام.
قد يكون هذا التطور، في أحد أبعاده المحتملة، وسيلةً لصرف الأنظار عن أوجه الفشل والإخفاق، وتحويل اهتمام الرأي العام نحو حدث سياسي كبير يستأثر بالنقاش ويُربك القراءات، فيتحول التغيير في الأشخاص إلى أداة لإدارة الانتباه العام، وربما لتحقيق أهداف تتجاوز ما يبدو في ظاهره.
ثالثًا: إبعاد تكتيكي تمهيدًا لتحول أكبر.
وهذا، في تقديري، احتمال يستحق التوقف عنده طويلًا؛ إذ ليس بالضرورة أن يكون خروج بعض الشخصيات من مواقعها نهاية دورها السياسي، فقد يكون جزءًا من ترتيبات أوسع، أو تمهيدًا لمرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة الأدوار وتوزيع المواقع، استعدادًا لتحولات قد لا تخطر على بال كثيرين ممن يقرؤون الأحداث بمعزل عن سياقاتها الأعمق..
#توقعاتي: لعبة السياسة بمعناها الحقيقي الواسع
أما قراءتي الشخصية للمشهد، فتذهب إلى احتمال أن نكون أمام عملية إعادة ترتيب للمشهد السياسي، قد تتجاوز مجرد تغيير الأشخاص لتصل إلى إعادة النظر في قواعد إدارة السلطة وتوزيع الصلاحيات داخل مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، أضع أمام القارئ ثلاثة سيناريوهات محتملة:
1. تعديل الدستور: بما يفتح المجال أمام إعادة تنظيم بنية السلطة، وضبط العلاقة بين مؤسسات الحكم، وإحداث تحولات في آليات إدارة المرحلة المقبلة.
2. توسيع صلاحيات الوزير الأول: من خلال تعزيز موقعه في إدارة العمل الحكومي، ومنحه مساحة أوسع في ممارسة الاختصاصات التنفيذية، بما قد يمهد لنمط جديد من توزيع المسؤوليات داخل السلطة التنفيذية.
3. تعزيز دور الأحزاب السياسية في تشكيل السلطة التنفيذية: عبر تقوية موقع الأغلبية السياسية ومنحها دورًا أكبر في اختيار الوزير الأول، مع احتفاظ رئيس الجمهورية بحق تسميته، وفق صيغة دستورية واضحة تحدد العلاقة بين إرادة الأغلبية وصلاحيات رئيس الجمهورية.
*وإذا كان هذا التصور قريبًا من حقيقة ما يجري الإعداد له، فإننا قد نكون بصدد تحول سياسي يتجاوز حدود التغييرات الظرفية، نحو إعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية، وإعادة توزيع الأدوار بين الرئاسة والحكومة والأحزاب، بما قد يؤسس لمرحلة مختلفة في إدارة الشأن العام.
غير أن الإنصاف يقتضي التأكيد أن هذه السيناريوهات تظل مجرد فرضيات وقراءات شخصية، لا حقائق مؤكدة؛ فالمشهد السياسي لا يُحسم بالتوقعات وحدها، وإنما بما تكشف عنه الوقائع، وما تؤكده القرارات، وما تفرزه التطورات اللاحقة.
*ومع ذلك، فإن الخطأ في السياسة لا يكمن دائمًا في التوقع، بل قد يكمن في الاكتفاء بظاهر الحدث، وإهمال الاحتمالات الكامنة خلفه. فكم من خطوة بدت في ظاهرها تراجعًا، وكانت في حقيقتها تمهيدًا لتقدم أكبر، وكم من تغيير اعتُقد أنه نهاية مرحلة، فإذا به مقدمة لمرحلة جديدة مختلفة تمامًا.
*فالسياسة ليست مجرد ما يحدث أمام أعيننا، بل هي أيضًا ما يُخطط له، وما يُراد تحقيقه من خلاله، وما قد تؤول إليه نتائجه.
*وفي انتظار ما ستكشف عنه الأيام، تبقى قراءة المشهد مفتوحة على احتمالات متعددة، ويظل الحكم النهائي رهينًا بما ستأتي به الوقائع، لا بما تمليه الرغبات أو توحي به الانطباعات.
#هذه افكار شخصية لقراءة مشهد سياسي غاية في الغموض و{ على قدرك يا موسى}.

اثنين, 12/10/2026 - 18:23