الشعب الموريتاني.. عمق تاريخي وحضور عالمي وتمسك بالسلم والاستقرار

نحن الشعب الموريتاني، بتنوعنا الشعبي والثقافي الرائع، من أَكْور وبظان، نعتز بهويتنا الإسلامية، وبما عُرف عنا من سلمية وحب للخير لجيراننا من الجهات الأربع. غير أن تمسكنا بالسلم وحسن الجوار لا يعني أننا أضعف من غيرنا، ولا أننا أقل قدرة على حماية وطننا وصون مصالحه.

إن المكون البيظاني، وفق المفهوم الثقافي والاجتماعي الذي نقصده هنا، وليس المفهوم اللوني، يمتلك امتدادا بشريا وثقافيا واسعا داخل موريتانيا وخارجها. فهو مفهوم يرتبط بالملحفة والدراعة، وباللغة الحسانية، وبالعادات والتقاليد المشتركة، وبالتجمع حول مأدبة الشاي في الهواء الطلق، والإصغاء إلى لغن الحساني وما يصاحبه من فنون وأهازيج أصيلة.

ويظل أبناء هذا المكون، أينما انتشروا في قارات العالم، مرتبطين بمهد آبائهم وأجدادهم، وبوطنهم موريتانيا، وبعاصمتها نواكشوط، وبمختلف مناطقها، التي تشكل جميعها جزءا من ذاكرتهم التاريخية ووجدانهم الوطني. ويذهب تقدير الكاتب إلى أن أعدادهم في الداخل والخارج تتجاوز أربعين مليون نسمة، وهو رقم يحتاج إلى توثيق إحصائي مستقل.

وقد أظهرت تجارب عديدة مدى تعلق الموريتانيين بوطنهم واستعدادهم للعودة إليه والوقوف إلى جانبه كلما شعروا بأن مصالحه أو أمنه مهددان. وهذا الارتباط بالوطن يمثل رصيدا معنويا واجتماعيا مهما، يعزز الشعور بالمسؤولية تجاه حاضره ومستقبله.

أما من الناحية الاقتصادية، فإن ثروات موريتانيا وإمكاناتها الطبيعية والبشرية يمكن أن تتسع لجميع أبنائها، وأن تسهم في تحقيق الازدهار لهم ولجيرانهم، متى أحسن تدبيرها، وأديرت بكفاءة ونزاهة، ووُجهت لخدمة التنمية والاستقرار.

كما أن موقع موريتانيا ومساحتها وعمقها الاستراتيجي يمنحانها أهمية خاصة في المنطقة. ويثير تاريخ ترسيم حدودها خلال الحقبة الاستعمارية نقاشا حول المصالح التي حكمت تلك الترتيبات، وما قد تكون لها من انعكاسات استراتيجية ممتدة؛ وهي مسائل تستحق الدراسة التاريخية الموثقة.

إن هذه المعطيات مجتمعة تدعونا إلى التأكيد أن موريتانيا ليست الحلقة الأضعف في محيطها الإقليمي، وأن قوتها الحقيقية لا تقوم على التهديد أو استعراض القوة، وإنما على تماسك شعبها، ووحدة مكوناته، وحسن إدارة موارده، وبناء مؤسسات قوية، والحفاظ على علاقات حسن الجوار.

ومع ذلك، فإننا نرجو من الله العلي القدير ألا نُضطر أبدا إلى اختبار قدراتنا في مواجهة أي تهديد، وأن تظل موريتانيا، كما نريدها دائما، بلدا آمنا مستقرا، متمسكا بإسلامه، ومعتزا بسلميته، وحريصا على التعاون مع جيرانه، وصون كرامة شعبه وسيادته.

فالقوة الحقيقية ليست في الدخول في الصراعات، بل في امتلاك أسباب المنعة مع تغليب الحكمة، والتمسك بالسلام مع الاستعداد المشروع لحماية الوطن.

الأستاذ الدكتور محمد كوف الشيخ المصطفى العربي

خميس, 22/10/2026 - 19:10